المجالس التنسيقيه المصنوعة وشرعية الوهم

المدارة
الجمعة 21 أغسطس 2026 م
في مسرح السياسة المظلم، لا شيء يفوق مشاهد الكوميديا السوداء التي تُنتَج برعاية رسمية. فعندما تصطدم سلطة الأمر الواقع المدعومة سعوديًا بجدار الرفض الشعبي، وتتسع جبهة القوى المناوئة لها، لا تلجأ إلى معالجة جذور الخلل أو الاستماع إلى صوت العقل، بل تلجأ إلى حيلتها العفاشية المفضلة: إنشاء مجالس صورية تحت مسمى «التنسيق بين المكونات».
صناعة دُمية سياسية جديدة
في غضون ليلة وضحاها، يُولد من أروقة المكاتب المغلقة تجمع سياسي جديد، يُطلق عليه اسم «برّاق»، ويُوصف بأنه «الوطني» و«التنسيقي الحضرمي»، ويجمع «رؤية حضرموت».
لكن الشعب الجنوبي الحضرمي يعرف جيدًا كيف يفرّق بين المولود الطبيعي وبين «المولود الفاقد للهوية»، الذي أُنشئ في أنابيب السلطة واستُورد من الخارج.
تتلخص مهمة هذا المجلس التنسيقي المصنوع في ثلاثة أدوار رئيسية:
أولًا: التصفيق لسلطة الأمر الواقع المدعومة سعوديًا
لا يُراد لهذا المجلس أن يكون مجرد بوق مباشر يكرر خطابات السلطة، بل يُطلب منه إتقان لعبة أخبث: أن يرتدي مسحوق الحياد تحت شعار «توحيد الرؤية»، ليقول للناس: «نحن وأنتم، ولكن…». وما بعد هذه الـ«لكن» ليس سوى تبرير لكل خطأ، وتشريع لكل تجاوز تسلكه سلطة الوصاية.
ثانيًا: تسميم جبهة الخصوم
الهدف الحقيقي والمهم لهذا المجلس ليس البناء أو الإصلاح أو توحيد رؤية حضرموت، بل شق صفوف القوى الوطنية المناوئة وتفتيت كتلتها.
ويُوظَّف هذا المجلس التنسيقي لخوض معارك جانبية، وإثارة نعرات هامشية، وإشغال القوى الحقيقية عن العمل لتحقيق السيادة على الأرض، ورص الصفوف لمواجهة الواقع المفروض بالقوة الخارجية، ومواجهة سياسات السلطة الفاشلة، ودفعها إلى خوض مماحكات سياسية غير مجدية.
ثالثًا: إمداد سلطة الأمر الواقع المدعومة سعوديًا بشرعية وهمية
عندما تُحاصر السلطة بالرفض، تلتفت إلى هذه المجالس التنسيقية المصنوعة لتقول للعالم: «انظروا، نحن نتوافق مع مكونات المجتمع المدني!».
إنها عملية تبادل للمصالح؛ إذ يتلقى قادة المكونات الجدد الفتات، بينما تجني سلطة الوصاية والأمر الواقع بضع قطرات من شرعية مستعارة.
إن الحقيقة الصارخة التي تغفل عنها سلطة الوصاية دائمًا هي أن المجالس التي تُصنع في الحاضنات لا تصمد في الشارع. فالمجالس والمكونات الموالية التي تُولد لخدمة أجندة التفرقة هي كالفزاعات الموضوعة في الحقول؛ قد تفزع الطيور لبعض الوقت، لكنها سرعان ما تكتشف أنها مجرد قش لا يملك روحًا ولا قرارًا.
ومهما تفننت سلطات الوصاية في صناعة الوكلاء وتأليف المكونات، يظل التاريخ يعلمنا درسًا واحدًا: الأزمات الحقيقية لا تُحل بإنشاء كيانات وظيفية للتشويش، بل بامتلاك الجرأة لمواجهة القوى الحقيقية صاحبة الحضور الفعلي، والاعتراف بالواقع، قبل أن تسقط الفزاعات، ويبقى وجه سلطة الوصاية مكشوفًا، بلا مساحيق ولا شرعية زائفة.
أبو محمد / سعيد باجبير



