شهداء الغدر السعودي.. دم الجنوب يطالب بالعدالة

المدارة
الجمعة – 04 سبتمبر 2026 / تقرير/ مريم بارحمة
تتجدد في الجنوب العربي قضية شهداء القوات المسلحة الجنوبية الذين سقطوا خلال الأحداث العسكرية التي شهدتها مناطق في حضرموت والمهرة والضالع، وسط تصاعد المطالب الشعبية والإعلامية بضرورة كشف ملابسات ما جرى، وتوثيق الوقائع، وتحديد المسؤوليات، وفتح تحقيق مستقل وشفاف في الغارات الجوية التابعة لطيران السعودي خلال يناير 2026.
وتتجاوز القضية، حدود حادثة عسكرية عابرة، لتتحول إلى ملف يرتبط بذاكرة الشهداء وحقوق أسرهم، وبالسؤال الأوسع حول طبيعة التحالفات العسكرية والسياسية التي حكمت المشهد خلال السنوات الماضية، ومدى انعكاسها على مستقبل القوات المسلحة الجنوبية ومكانتها ودورها في حماية مناطق الجنوب.
وتحمل حضرموت والمهرة والضالع في الذاكرة الجنوبية رمزية خاصة، باعتبارها مناطق شهدت تضحيات عسكرية وأمنية كبيرة، وسقط فيها رجال أثناء أداء مهامهم. ولذلك يرى شعب الجنوب أن استهداف القوات الجنوبية، إذا ثبتت ملابساته والمسؤولون عنه، لا ينبغي أن يمر باعتباره مجرد واقعة عسكرية انتهت بانتهاء القصف، بل يجب أن يخضع للفحص والتحقيق والمساءلة القانونية.
_ يناير 2026م واقعة تفتح أسئلة ثقيلة
تضع الأحداث التي وقعت مطلع يناير 2026م، بحسب الروايات المتداولة في الأوساط الجنوبية، علامات استفهام كبيرة أمام طبيعة العمليات الجوية التي طالت مواقع للقوات المسلحة الجنوبية في حضرموت والمهرة ومناطق أخرى، وما إذا كانت تلك العمليات قد استندت إلى معلومات عسكرية دقيقة، وما طبيعة الأهداف التي جرى التعامل معها، ومن أصدر القرارات المتعلقة بها.
وتكتسب هذه الأسئلة أهميتها من حساسية الوضع العسكري والسياسي في الجنوب، ومن كون القوات التي تعرضت للقصف، كانت تؤدي مهام مرتبطة بحماية الأرض ومواجهة التهديدات الأمنية والإرهابية.
ولا يمكن، من الناحية المهنية والقانونية، حسم توصيف هذه الأحداث أو تحديد المسؤولية الجنائية عنها دون تحقيق مستقل يجمع الأدلة الميدانية، ويفحص بقايا الذخائر، ويتحقق من الصور ومقاطع الفيديو، ويستمع إلى شهود العيان والناجين، ويراجع التسلسل الزمني للعمليات والأوامر العسكرية ذات الصلة.
ومن هنا تبرز المطالبة الجنوبية بفتح تحقيق محايد لا يستند إلى رواية طرف واحد، ولا يخضع للتوظيف السياسي، وإنما يضع الوقائع أمام الرأي العام، ويحدد المسؤوليات على أساس الأدلة.
_ شهداء المستقبل الواعد.. أكثر من أسماء في قوائم
لم يكن الشهداء، في الوجدان الشعبي الجنوبي، مجرد أسماء تضاف إلى قوائم الخسائر العسكرية؛ فخلف كل اسم أسرة، وخلف كل صورة أم فقدت ابنها، وأب ينتظر الحقيقة، وزوجة فقدت سندها، وأطفال وجدوا أنفسهم أمام مستقبل مختلف بعد رحيل آبائهم.
وتمنح تسمية شهداء المستقبل الواعد القضية بعدًا إنسانيًا بالغًا؛ فهؤلاء الشباب، كانوا يمثلون جيلًا كان يحمل أحلامًا شخصية ووطنية، ويأمل في مواصلة حياته وخدمة مجتمعه وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.
ولهذا فإن تخليد أسمائهم لا ينبغي أن يقتصر على المناسبات أو الحملات الإعلامية المؤقتة، وإنما يتحول إلى مشروع توثيق متكامل يحفظ أسماءهم وصورهم وسيرهم وقصص أسرهم والظروف التي أحاطت بمقتلهم.
فكل صورة لشهيد يمكن أن تكون جزءًا من أرشيف تاريخي، وكل شهادة من زميل أو قريب أو شاهد عيان يمكن أن تساعد في إعادة بناء تفاصيل الحدث، وكل وثيقة أصلية قد تصبح مستقبلًا عنصرًا مهمًا في أي تحقيق قانوني أو حقوقي.
_ من التحالف إلى سؤال الثقة
يفتح القصف المنسوب إلى الطيران السعودي نقاشًا سياسيًا أوسع حول مفهوم الحليف والشريك في المشهد اليمني والجنوبي.
فالقوات الجنوبية قدمت، تضحيات كبيرة في مواجهة جماعات وتنظيمات مسلحة، وفي مقدمتها تنظيمات إرهابية، وشاركت في معارك عديدة شهدت سقوط أعداد كبيرة من أفرادها.
ومن هذا المنطلق، إن أي استهداف للقوات الجنوبية التي قاتلت الإرهاب وحمت مناطقها يثير تساؤلات حول طبيعة الحسابات السياسية والعسكرية التي تقف وراء مثل هذه العمليات.
ويذهب بعض الناشطين إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن ما حدث يعكس تحولًا في طبيعة العلاقة بين الأطراف التي كانت تُقدّم نفسها في إطار التحالف والشراكة، بينما يرى آخرون ضرورة عدم إطلاق أحكام نهائية قبل ظهور نتائج تحقيق موثوق ومستقل.
وهنا تكمن أهمية التحقيق؛ إذ إن الحقيقة وحدها تستطيع الفصل بين الروايات المتناقضة، وتحديد ما إذا كان ما حدث نتيجة خطأ عسكري، أو سوء تقدير، أو قرار مقصود، أو ظروف أخرى لم تكشف تفاصيلها حتى الآن.
_ بين الدم والسياسة الجنوب يرفض طي الملف
تؤكد الرسائل الشعبية المتداولة تحت وسم #شهداء_الغدر_السعودي_بالجنوب أن القضية لا ينبغي أن تختفي بمجرد انتهاء الحدث العسكري.
ويحمل هذا الخطاب رسالة سياسية واضحة مفادها أن دماء الشهداء يجب ألا تتحول إلى ورقة للمساومات أو التفاهمات السياسية، وأن أي تسوية مستقبلية ينبغي ألا تقوم على تجاهل حقوق الضحايا وأسرهم.
ويعكس ذلك أحد أكثر الملفات حساسية في المجتمعات التي عاشت صراعات طويلة؛ إذ يمكن أن يؤدي تجاهل الضحايا إلى تراكم الإحساس بالظلم، بينما يمكن للعدالة والاعتراف بالضحايا وجبر الضرر أن يشكلا مدخلًا لمعالجة آثار الصراع.
ومن هنا، فإن المطالبة بالتحقيق والمحاسبة لا ينبغي أن تُفهم بالضرورة باعتبارها دعوة إلى الانتقام، بل يمكن أن تكون مطالبة بإجراء قانوني يحدد المسؤوليات ويمنع تكرار الانتهاكات.
_ التوثيق معركة الحقيقة في مواجهة النسيان
يتصدر التوثيق محورًا أساسيًا في الحملة الإعلامية المتعلقة بشهداء القوات الجنوبية.
فالأحداث العسكرية غالبًا ما تنتج روايات متعددة ومتعارضة، وقد تضيع التفاصيل بمرور الوقت إذا لم تُحفظ بصورة منهجية. ولذلك تبرز أهمية الاحتفاظ بالصور الأصلية، ومقاطع الفيديو، والشهادات، والتقارير الطبية، وأسماء الضحايا، وتواريخ الأحداث، ومواقعها، وأي معلومات يمكن التحقق منها.
ويحتاج هذا التوثيق إلى قدر كبير من المسؤولية؛ إذ لا يكفي نشر صورة أو مقطع فيديو واعتباره دليلًا نهائيًا، بل يجب التحقق من تاريخ المادة ومكانها ومصدرها وسياقها، والتمييز بين المعلومات الموثقة والادعاءات غير المثبتة.
وتصبح هذه المسؤولية أكبر أمام الإعلاميين والصحفيين والناشطين، لأن المعلومة غير الدقيقة قد تضعف القضية بدل أن تخدمها، بينما يمكن للتوثيق المهني أن يمنحها قوة أكبر أمام الرأي العام المحلي والعربي والدولي.
_ أسر الشهداء الجانب الذي لا يجوز أن تغطيه السياسة
تظل أسر الشهداء في قلب هذه القضية. فوراء كل اسم قصة إنسانية لا يمكن اختزالها في البيانات السياسية والعسكرية. أم تنتظر ابنها، وأب يحتفظ بصورة نجله، وأطفال يكبرون دون آبائهم، وأسرة تواجه أعباء الحياة بعد فقدان أحد أفرادها.
ومن هنا فإن أي مسار جاد لمعالجة ملف الشهداء ينبغي أن يشمل، إلى جانب كشف الحقيقة، الاهتمام بأسر الضحايا، وضمان حقوقهم، والاستماع إلى شهاداتهم، وتوثيق رواياتهم، وتوفير سبل الإنصاف وجبر الضرر وفق ما تسمح به الأطر القانونية.
فالعدالة لا تعني فقط تحديد المسؤول عن إطلاق النار أو القصف، وإنما تعني أيضًا الاعتراف بمعاناة الضحايا وأسرهم وعدم تحويلهم إلى أرقام في سجلات الحروب.
_ قضية الجنوب بين الذاكرة ووحدة الصف
رغم حدة الخطاب السياسي المصاحب للملف، تبرز دعوات إلى التعامل مع دماء الشهداء باعتبارها عاملًا لتوحيد الصف الجنوبي، لا سببًا لمزيد من الانقسام.
فحضرموت والمهرة والضالع، رغم اختلاف خصوصياتها الجغرافية والاجتماعية والسياسية، يجمعها سجل طويل من التضحيات.
ومن هنا يمكن أن تتحول قضية الشهداء إلى مساحة جامعة تلتقي فيها القوى المجتمعية والإعلامية والحقوقية حول مطالب محددة: حفظ الذاكرة، كشف الحقيقة، حماية الأدلة، دعم الأسر، ورفض الإفلات من المسؤولية متى ثبتت بالأدلة.
وتحتاج هذه القضية إلى خطاب مسؤول يبتعد عن التحريض والكراهية، ويضع العدالة في مقدمة المطالب، لأن قوة القضية لا تقاس بحدة الخطاب، وإنما بقدرتها على تقديم الأدلة والوثائق والروايات القابلة للتحقق.
_ إلى المجتمع الدولي.. العدالة أساس السلام
توجه المطالب الجنوبية رسالة إلى المنظمات الحقوقية والجهات الدولية المعنية بأن ملف استهداف القوات الجنوبية، يستحق الدراسة والتحقيق، خصوصًا إذا توفرت أدلة ميدانية يمكن فحصها والتحقق منها.
فأي عملية سلام حقيقية تحتاج إلى معالجة آثار الانتهاكات التي وقعت خلال سنوات الحرب، ولا يمكن بناء استقرار طويل الأمد على ذاكرة مثقلة بالأسئلة دون إجابات.
ويظل التحقيق المستقل هو الطريق الأكثر قدرة على اختبار الادعاءات المتداولة؛ فإذا أثبت وقوع انتهاكات، ينبغي تحديد المسؤوليات ومساءلة المتورطين وفق القانون، وإذا كشفت التحقيقات رواية مختلفة، فإن نشر النتائج بشفافية يظل ضرورة لحماية الحقيقة من التوظيف السياسي.
_ الحقيقة أولًا ثم العدالة
تختصر قضية شهداء حضرموت والمهرة والضالع معادلة سياسية وإنسانية شديدة الحساسية: لا يمكن حماية الذاكرة بالصمت، ولا يمكن تحقيق العدالة بالشائعات.
ومن هنا تصبح مسؤولية أبناء الجنوب والإعلاميين والحقوقيين مضاعفة؛ فالمطلوب ليس فقط استعادة صور الشهداء ونشر أسمائهم، وإنما بناء سجل موثق يحفظ الوقائع للأجيال، ويمنح أسر الضحايا حقهم في معرفة ما حدث لأبنائهم.
ويبقى شهداء المستقبل الواعد عنوانًا لذاكرة لا تريد أن تتحول إلى أرقام منسية. فقد رحل أصحاب الأسماء والصور والقصص، لكن السؤال الذي تركوه خلفهم لا يزال حاضرًا: ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ ولماذا؟
وتحتاج الإجابة عن هذه الأسئلة إلى شجاعة سياسية، ونزاهة إعلامية، وتحقيق قانوني مستقل، بعيدًا عن الانتقام والتوظيف والتحريض.
فمن حضرموت إلى المهرة والضالع، لا تتمثل الرسالة في استدعاء الماضي لإشعال صراع جديد، وإنما في المطالبة بأن يكون الدم الإنساني مصانًا، وأن تعرف الأسر الحقيقة، وأن تُحفظ الوقائع، وأن يتحمل كل من تثبت مسؤوليته نتائج أفعاله وفق القانون.
وتبقى دماء الشهداء، في الذاكرة الجنوبية، قضية وطنية وإنسانية لا ينبغي أن تطويها صفحات الأخبار، فيما يمثل التوثيق المسؤول الطريق الأهم لحماية الحقيقة من النسيان، وتحويل الذاكرة من مجرد حزن على الراحلين إلى مطالبة سلمية وقانونية بالإنصاف والعدالة.
#شهداء_الغدر_السعودي_بالجنوب


