من ميون إلى حضرموت.. الجنوب أمام لحظة حاسمة

تقرير: مريم بارحمة
تدخل الساحة الجنوبية واليمنية مرحلة بالغة الحساسية مع تسارع التطورات العسكرية في عدد من الجبهات، وتداول معلومات عن انسحابات عسكرية من محافظتي مأرب والجوف باتجاه وادي وصحراء حضرموت، بالتزامن مع التطورات المتسارعة على الساحل الغربي ووصول الحوثيين إلى منطقة باب المندب وجزيرة ميون، الأمر الذي يضع الجنوب أمام استحقاقات أمنية وعسكرية تتطلب أعلى درجات اليقظة والاستعداد.
وتكتسب التطورات الأخيرة أهمية مضاعفة بعد ورود تقارير في 11 سبتمبر 2026م عن وصول مقاتلين حوثيين إلى جزيرة ميون الواقعة في قلب مضيق باب المندب، عقب انسحاب القوات الحكومية اليمنية منها، بالتزامن مع وصول الحوثيين إلى ذوباب وانتشارهم في مناطق مطلة على المضيق. وأفادت تقارير صحفية بأن هذه التطورات عززت سيطرة الجماعة على منطقة باب المندب، فيما ظلت بعض التفاصيل الميدانية بحاجة إلى مزيد من التحقق.
وفي موازاة ذلك، صدرت مواقف جنوبية متتالية من القيادة العامة للاتحاد العام لقبائل الجنوب العربي وقيادة ألوية الدعم والإسناد، حملت رسائل واضحة بشأن حماية الأرض والحدود، ورفض نقل أزمات الجبهات الشمالية إلى الجنوب، إلى جانب الدعوة إلى توحيد الصفوف وترشيد الخطاب الداخلي وحشد الطاقات.
ولا تنظر هذه المواقف إلى التطورات باعتبارها شأنًا عسكريًا منفصلًا، بل باعتبارها جزءًا من مشهد أوسع قد تكون له انعكاسات مباشرة على أمن الجنوب واستقراره، ولا سيما إذا تحولت التحركات العسكرية من مجرد إعادة انتشار إلى ترتيبات ميدانية دائمة، أو إذا أدى تغير موازين القوى في باب المندب والساحل الغربي إلى إعادة تشكيل خريطة النفوذ العسكري في المنطقة.
ـ تحركات من مأرب والجوف باتجاه حضرموت
تداولت مصادر إعلامية ومحلية، مساء الجمعة 11 سبتمبر 2026، معلومات تفيد بوجود انسحابات عسكرية من محافظتي مأرب والجوف باتجاه وادي وصحراء حضرموت.
وتظل هذه المعلومات، حتى لحظة إعداد التقرير، ضمن نطاق الأخبار المتداولة التي تحتاج إلى تأكيد ميداني مستقل، إلا أن مجرد طرحها يكتسب أهمية بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لحضرموت، وإلى حساسية أي تحرك عسكري من مناطق الشمال باتجاه أراضي الجنوب.
وتفتح هذه التحركات، في حال تأكدت واتسعت، نقاشًا حول طبيعة القوات المنسحبة، وأسباب انتقالها، والمهام التي يمكن أن تتولاها في مناطق وصولها، وما إذا كان الأمر يتعلق بإعادة انتشار مؤقتة تفرضها التطورات العسكرية، أم بترتيبات أوسع قد تغير خريطة الانتشار العسكري.
وهنا تتقاطع هذه التطورات مع الموقف المعلن للاتحاد العام لقبائل الجنوب العربي، الذي رفض دخول أي قوة عسكرية شمالية منسحبة إلى أراضي الجنوب تحت أي مبرر، مؤكدًا أن أمن الجنوب واستقراره غير قابلين للمساومة.
ـ حضرموت في قلب الحسابات الأمنية
لا يمكن فصل الحديث عن أي تحركات باتجاه وادي وصحراء حضرموت عن الأهمية الجغرافية والاستراتيجية للمحافظة.
فأي تغيير في طبيعة الانتشار العسكري داخل مناطقها قد يترك آثارًا على معادلة الأمن والاستقرار في الجنوب، خصوصًا إذا ارتبط بقوات قادمة من جبهات تشهد مواجهات عسكرية متصاعدة.
ومن هذا المنطلق، فإن الموقف الجنوبي الرافض لإدخال قوات شمالية لا ينحصر في تفاصيل التحرك ذاته، وإنما يرتبط بمبدأ أوسع يتمثل في أن تكون حماية المناطق الجنوبية وترتيباتها الأمنية والعسكرية منسجمة مع أولوياتها واحتياجاتها الأمنية، وألا تصبح أراضيها امتدادًا تلقائيًا لأزمات الجبهات الأخرى.
ـ الساحل الغربي وباب المندب يدخلان مرحلة جديدة
تأتي المعلومات المتداولة عن التحركات من مأرب والجوف في وقت شهد فيه الساحل الغربي تطورات عسكرية سريعة، شملت المخا وذوباب وجزيرة ميون ومناطق أخرى مطلة على البحر الأحمر.
وأفادت تقارير صحفية في 11 سبتمبر 2026 بأن الحوثيين وصلوا إلى ذوباب، الواقعة عند مدخل باب المندب، ووصلت قوارب تقل مقاتلين حوثيين إلى جزيرة ميون بعد انسحاب القوات الحكومية اليمنية منها في اليوم السابق. ونقلت مصادر صحفية عن مسؤول حكومي محلي أن الحوثيين استكملوا السيطرة على منطقة باب المندب وجزيرة ميون، فيما تحدثت تقارير أخرى عن انتشارهم في مناطق ساحلية ومواقع مطلة على المضيق.
وتزداد أهمية هذه التطورات بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لجزيرة ميون، المعروفة أيضًا باسم بريم، والتي تقع في قلب مضيق باب المندب وتفصل بين ممراته البحرية، بما يمنحها أهمية عسكرية وجيوسياسية كبيرة.
وأشارت تقارير إلى سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وجزيرة زقر قبل وصولهم إلى ميون، وهو ما يعكس سرعة التغير في خريطة الانتشار على الساحل الغربي.
وتجعل هذه التطورات إعادة الانتشار والتحركات العسكرية في مختلف المناطق مسألة شديدة الحساسية، إذ إن أي تغير في موازين القوى شمالًا أو غربًا قد ينعكس على خطوط الانتشار جنوبًا، سواء بصورة مباشرة أو عبر انتقال قوات وعتاد ومراكز نفوذ.
ـ رواية «تسليم ميون وباب المندب».. ما الذي يمكن إثباته؟
تزامن التطورات الأخيرة مع تداول منشورات ومعلومات على منصات التواصل الاجتماعي تتحدث عن أن السعودية قامت بتسليم جزيرة ميون ومضيق باب المندب للحوثيين بالكامل.
وتحمل هذه الرواية، في حال ثبوتها، دلالة سياسية وعسكرية بالغة الخطورة، بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية لجزيرة ميون ومضيق باب المندب.
أما المعلومات التي أمكن التحقق منها حتى إعداد التقرير، فتشير إلى أن القوات الحكومية اليمنية انسحبت من جزيرة ميون، وأن مقاتلين حوثيين وصلوا إليها عقب ذلك، بالتزامن مع انتشارهم في منطقة باب المندب ووصولهم إلى ذوباب.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين «الانسحاب العسكري» و«التسليم السياسي أو العسكري»، فالأول يمكن إثباته أو نفيه من خلال الوقائع الميدانية، بينما الثاني يحتاج إلى معلومات أكثر تحديدًا حول الجهة التي أصدرت قرار الانسحاب، والجهات التي تولت المواقع بعده، وما إذا كانت هناك ترتيبات أو تفاهمات سبقت ذلك.
وفي السياق السياسي، فإن تداول هذه الرواية يعكس حجم التساؤلات التي أثارتها سرعة سقوط المواقع الساحلية، خصوصًا أن تقارير صحفية تحدثت عن انسحابات واسعة للقوات الحكومية اليمنية والقوات المناهضة للحوثيين من مناطق استراتيجية دون معارك طويلة تتناسب مع أهمية المواقع التي فقدتها.
ـ باب المندب ورقة استراتيجية تتجاوز اليمن
لا يمثل باب المندب مجرد موقع عسكري على الخارطة الجنوبية، وإنما يعد واحدًا من أهم الممرات البحرية الدولية، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل بوابة رئيسية لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وتمنح جزيرة ميون موقعها الجغرافي أهمية استثنائية، لوجودها في قلب المضيق وإشرافها على الممرات البحرية. ولذلك فإن أي تغير في القوة المسيطرة عليها لا يمكن التعامل معه باعتباره تطورًا محليًا محدودًا، بل باعتباره تحولًا ذا أبعاد إقليمية ودولية.
وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن سيطرة الحوثيين على ميون وذوباب، بعد تقدمهم في الساحل الغربي، تعزز قدرتهم على التأثير في واحد من أهم طرق الملاحة العالمية.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يجري في باب المندب يرتبط بصورة مباشرة بحسابات الأمن الإقليمي والدولي، ويمنح التطورات العسكرية في الساحل الغربي وزنًا أكبر بكثير من مجرد تغيير في خطوط الجبهة اليمنية.
ـ تطورات الشمال تعيد رسم المشهد
تأتي التحركات المتداولة من مأرب والجوف في وقت تشهد فيه الجبهات الجنوبية واليمنية تطورات متسارعة، بينما تفرض التطورات في الساحل الغربي معادلات جديدة على المشهد العسكري.
وأفادت تقارير حديثة بتقدم الحوثيين في مناطق الساحل الغربي وصولًا إلى المخا وذوباب وميون، وهو ما يعكس تغيرًا سريعًا في خريطة السيطرة العسكرية.
وتجعل هذه التطورات إعادة الانتشار والتحركات العسكرية في مختلف المناطق مسألة شديدة الحساسية، إذ إن أي تغير في موازين القوى شمالًا أو غربًا قد ينعكس على خطوط الانتشار جنوبًا، سواء بصورة مباشرة أو عبر انتقال قوات وعتاد ومراكز نفوذ.
ومن هنا تأتي أهمية التعامل مع أي تحرك عسكري باتجاه الجنوب باعتباره ملفًا يستحق التدقيق والمتابعة، وليس مجرد خبر ميداني عابر.
ـ روايات سياسية حول سقوط الجبهات
تزامن الحديث عن الانسحابات مع تداول تصريحات ومواقف سياسية تتناول أسباب التراجع في بعض الجبهات، ومن بينها ما نُسب إلى نائب وزير الخارجية مصطفى النعمان بشأن وجود «التخادم الحوثي–الإخواني» ضد الجنوب.
وقد أعيد تداول هذا الطرح في سياق تفسير التطورات الأخيرة وتراجع بعض القوات أمام التقدم الحوثي.
لكن عودة هذه الرواية إلى التداول تكشف، في الجانب السياسي، حجم الجدل حول أسباب التحولات العسكرية، وحول ما إذا كانت بعض التطورات ناتجة عن عوامل عسكرية بحتة، أم أن وراءها حسابات سياسية وترتيبات أوسع.
وبصرف النظر عن صحة هذه التفسيرات من عدمها، فإن النتيجة الأهم بالنسبة للجنوب هي ضرورة عدم السماح بتحول تداعيات الصراع في الشمال إلى واقع أمني جديد داخل أراضيه.
ـ الاتحاد العام لقبائل الجنوب يرفع سقف التحذير
في مواجهة هذه التطورات، وجهت القيادة العامة للاتحاد العام لقبائل الجنوب العربي دعوة إلى القيادات العسكرية والأمنية الجنوبية لتحمل مسؤولياتها في حماية الجنوب.
وأكد الاتحاد رفضه دخول أي قوة عسكرية شمالية منسحبة إلى أراضي الجنوب، محذرًا من الزج بالجنوب وقواته في أزمات وحروب لا تعنيه.
وشدد على أن أرض الجنوب يجب ألا تتحول إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين، مؤكدًا أن حماية الجنوب مسؤولية الجميع، وأن القوات الجنوبية تمثل درعًا لأرضه وحدوده.
ولم يكتف الاتحاد بإعلان موقف سياسي، بل أعلن استعداده لرفد القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية بالرجال والعتاد عند طلب ذلك، في رسالة تعكس استعدادًا مجتمعيًا للمساهمة في مواجهة أي تطورات تمس أمن الجنوب.
ـ ألوية الدعم والإسناد: الجاهزية لحماية الحدود
جاء البيان العسكري الصادر عن قيادة ألوية الدعم والإسناد في يوم الجمعة 11 سبتمبر 2026م، ليؤكد أن حماية الجنوب وأراضيه وحدوده وأمن أبنائه تمثل أولوية ثابتة.
وأعلنت القيادة جاهزية قواتها للقيام بواجبها الوطني، مؤكدة وقوفها إلى جانب القيادة السياسية في المجلس الانتقالي الجنوبي العربي ممثلة بالرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، واستعدادها لتعزيز منظومة حماية الحدود والحفاظ على الأمن والاستقرار والتصدي لأي تهديد يمس أرض الجنوب أو أمن أبنائه.
وأعلنت تأييدها لأي قرار عسكري مسؤول يهدف إلى إعادة ترتيب وانتشار القوات بما يتناسب مع الأولويات الدفاعية، وبما يحافظ على أرواح المقاتلين ويعزز تماسك القوات ووحدة قرارها.
وهنا يبرز اختلاف مهم في طبيعة الرسالتين: فالاتحاد العام لقبائل الجنوب يركز على الرفض والتحذير والإسناد المجتمعي، بينما تركز ألوية الدعم والإسناد على الجاهزية العسكرية وتنظيم الانتشار وتوحيد القرار.
ـ لحظات مفصلية تتطلب رص الصفوف
تفرض هذه التطورات، وفق الرسائل الجنوبية المطروحة، مسؤولية مضاعفة على مختلف القوى والمكونات، فالمرحلة توصف بأنها لحظات مفصلية ومصيرية تتطلب الابتعاد عن كل ما يمكن أن يضعف الجبهة الداخلية.
وتبرز هنا أهمية ترشيد الخطاب الداخلي، ورص الصفوف، ووقف سهام الانتقاد المتبادل، وحشد الطاقات والإمكانات، باعتبار أن الاستنزاف الداخلي لا يخدم أي جهد لحماية الأرض أو مواجهة المخاطر.
ولا تعني الدعوة إلى وقف سهام الانتقاد إلغاء حق النقد أو تقييم الأداء، وإنما تعني أن يكون الخطاب في هذه المرحلة أكثر مسؤولية، وأن يميز بين النقد الذي يصحح الأخطاء وبين الخطاب الذي يوسع الانقسامات ويستنزف الثقة بين أبناء الصف الواحد.
فحين تتسارع التطورات العسكرية، تصبح وحدة الموقف والتنسيق بين مختلف القوى أكثر أهمية من تسجيل النقاط في الخلافات الداخلية.
ـ القوات الجنوبية في مقدمة المسؤولية
يحمل رجال القوات المسلحة الجنوبية، مسؤولية كبيرة في حماية الأرض والحدود وأمن المواطنين.
وتؤكد الرسالة أن هؤلاء المقاتلين يحملون أرواحهم على أكفهم دفاعًا عن الأرض والعرض والدين، وهو ما يجعل الحفاظ على معنوياتهم وتماسكهم ودعمهم مسؤولية سياسية ومجتمعية، إلى جانب المسؤولية العسكرية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الدعوة إلى توحيد التشكيلات وتعزيز التنسيق أهمية خاصة، إذ إن الجاهزية لا تقاس بالسلاح والعتاد وحدهما، وإنما كذلك بوحدة القرار، والانضباط، والقدرة على التحرك وفق رؤية دفاعية واضحة.
ـ إعادة الانتشار بين الضرورة والمخاوف
يطرح الحديث عن إعادة انتشار القوات سؤالًا أساسيًا حول طبيعة الأولويات العسكرية في المرحلة المقبلة.
فإعادة الانتشار قد تكون، من حيث المبدأ، إجراءً عسكريًا تفرضه تغيرات الجبهات، لكن انتقال قوات من مناطق شمالية إلى مناطق جنوبية يظل قضية حساسة بالنسبة للجنوب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقوات كانت منخرطة في صراعات خارج حدوده.
ولهذا أكدت ألوية الدعم والإسناد تأييدها لأي إعادة ترتيب وانتشار يكون هدفها تعزيز الأولويات الدفاعية وحماية الحدود، فيما أكد اتحاد قبائل الجنوب رفضه دخول قوات شمالية منسحبة إلى الأراضي الجنوبية.
وبذلك تتحدد المسألة من زاويتين: تنظيم الانتشار بما يعزز الأمن، ومنع أن يتحول الجنوب إلى وجهة مفتوحة لإعادة تموضع أطراف الصراع.
ـ من باب المندب إلى حضرموت.. جغرافيا واحدة للأمن
تجمع التطورات الأخيرة بين مسارين عسكريين يبدوان منفصلين جغرافيًا، لكنهما يرتبطان من الناحية الأمنية بموقع الجنوب في المعادلة الجنوبية واليمنية والإقليمية.
ففي الغرب، تشهد منطقة باب المندب والساحل الغربي تغيرًا سريعًا في السيطرة العسكرية، وفي الشرق تبرز معلومات عن تحركات وانسحابات من مأرب والجوف باتجاه وادي وصحراء حضرموت.
ويعني ذلك أن الجنوب يجد نفسه أمام تطورات تمتد من ساحل البحر الأحمر إلى عمق حضرموت، وهو ما يفرض قراءة شاملة للمشهد بدل التعامل مع كل واقعة باعتبارها حدثًا منفصلًا.
وأن أي تغير في خطوط الانتشار العسكرية في هذه المناطق قد تكون له انعكاسات على الأمن والطرق وخطوط الإمداد وموازين القوى، الأمر الذي يجعل اليقظة والتنسيق عاملين أساسيين في التعامل مع المرحلة.
ـ التعبئة العامة وحشد الإمكانات
تتجه الدعوات الجنوبية أيضًا نحو رفع مستوى التعبئة والاستعداد، وحشد كل الطاقات المتاحة لمواجهة التطورات المحتملة.
ويشمل ذلك تعزيز الجاهزية العسكرية والأمنية، ورفع مستوى التنسيق، والاستعداد المجتمعي، إلى جانب دعم القوات التي تتحمل مسؤولية حماية الحدود.
وفي هذا الإطار، يأتي إعلان اتحاد قبائل الجنوب العربي استعداده لرفد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بالرجال والعتاد عند طلب ذلك، باعتباره تأكيدًا على أن حماية الجنوب، بحسب موقف الاتحاد، مسؤولية تتشارك فيها المؤسسات العسكرية والأمنية والمجتمع.
ـ وحدة الصف كخيار استراتيجي
تكشف مجمل المواقف عن أن القضية لم تعد مرتبطة بتحرك عسكري بعينه، وإنما بمسألة أوسع تتعلق بكيفية إدارة الجنوب لمرحلة تتغير فيها موازين القوى من حوله.
ومن هنا تبدو وحدة الصف ضرورة تتجاوز الشعارات، وتتحول إلى حاجة عملية تشمل تنسيق المواقف، وتوحيد الخطاب، وتعزيز التعاون بين المؤسسات والقوات، وحماية الجبهة الداخلية من الاستنزاف.
وأن التعامل مع الأخبار الميدانية يجب أن يقوم على التحقق والتمييز بين المعلومات المؤكدة والتقارير المتداولة، حتى لا تتحول الشائعات أو التفسيرات غير الموثقة إلى مصدر توتر داخلي.
ـ رسالة الجنوب: الأرض أولًا
بين التحركات العسكرية المتداولة، والتطورات المتسارعة في الجبهات الجنوبية واليمنية، والسيطرة الحوثية المعلنة أو المبلغ عنها على مواقع استراتيجية في باب المندب، والبيانات الجنوبية التي أكدت الجاهزية والرفض والتحذير، تتشكل رسالة واضحة مفادها أن الجنوب يريد أن تكون حماية أرضه وأمن مواطنيه في مقدمة الأولويات.
فالجنوب، وفق مضمون المواقف الصادرة، لا يريد أن يكون طرفًا في صراعات الآخرين، ولا أن تتحول أراضيه إلى مساحة لإعادة تدوير أزمات الجبهات الشمالية.
وفي الوقت نفسه، تؤكد القوات الجنوبية استعدادها لتحمل مسؤوليتها، بينما تبدي القوى الاجتماعية استعدادها للإسناد، ما يضع الجميع أمام مسؤولية الحفاظ على التماسك وتوجيه الإمكانات نحو حماية الأرض.
ـ أمام مرحلة لا تحتمل الانقسام
تضع التطورات الحالية الجنوب أمام اختبار حقيقي لقدرته على إدارة الأزمات والحفاظ على تماسكه.
فإذا كانت التحركات العسكرية من مأرب والجوف باتجاه حضرموت قد تأكدت واتخذت طابعًا واسعًا، فإنها ستفرض واقعًا أمنيًا جديدًا يحتاج إلى موقف جنوبي واضح ومدروس. أما إذا كانت في إطار إعادة انتشار مؤقتة تفرضها ظروف الجبهات، فإن التعامل معها ينبغي أن يقوم على التحقق والهدوء وتقدير الموقف بعيدًا عن الاستنتاجات المتسرعة.
وفي المقابل، فإن التطورات في باب المندب تمثل متغيرًا استراتيجيًا بالغ الأهمية؛ إذ أفادت تقارير في 11 سبتمبر 2026م بوصول الحوثيين إلى جزيرة ميون وانتشارهم في منطقة المضيق بعد انسحاب القوات الحكومية، مع تقارير عن وصولهم إلى ذوباب وسيطرتهم على مواقع أخرى في الساحل الغربي.
وتبقى الحاجة إلى رص الصفوف قائمة؛ فترشيد الخطاب، ووقف الاستنزاف الداخلي، ودعم القوات، وتعزيز التنسيق، وحشد الطاقات، كلها عوامل تمنح الجنوب قدرة أكبر على التعامل مع المتغيرات.
وتأتي رسالة ألوية الدعم والإسناد واتحاد قبائل الجنوب العربي في هذا السياق لتضع حماية الأرض والحدود في مقدمة الأولويات، ولتؤكد أن المرحلة تتطلب مسؤولية وطنية مشتركة، لا مزيدًا من الانقسام.
فالجنوب أمام لحظات مفصلية، والقوة في هذه المرحلة لا تصنعها الجاهزية العسكرية وحدها، وإنما يصنعها كذلك تماسك الصف، ووحدة القرار، ووعي المجتمع، وقدرة الجميع على وضع حماية الأرض وأمن أبنائها فوق الحسابات والخلافات الثانوية.




