اخبــار محليــة

مسرحية التمدد الحوثي: هندسة الضغط الدولي لإرغام الجنوب على التراجعات المصيرية

المدارة  / تقرير :حافظ الشجيفي

تكشف التطورات الميدانية الأخيرة في جبهات المخا والساحل الغربي عن تحولات عسكرية غير طبيعية آلت إلى تدفق جماعة الحوثي نحو تلك المناطق الحيوية والسيطرة على مدينة المخا وباب المندب وجزيرة ميون الجنوبية، وهي تداعيات تتجاوز في جوهرها التحليلات السطحية التي تروج لها المنصات الإعلامية الموجهة والتسريبات المشبوهة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تستهدف تلك الخطابات تضليل الرأي العام وتغييب الحقيقة العارية خدمة لأجندات دولية يتعذر تمريرها إلا عبر إدخال الجماهير في متاهات التفريغ السياسي والتعمية الممنهجة.

ولسبر أغوار المعطيات الواقعية وتفكيك مشاهد الانتصارات والهزائم والانسحابات في الساحل الغربي، يستوجب المنطق السياسي المباشر ربط هذه التطورات بالمليونيات الجماهيرية العارمة التي شهدتها عدن وحضرموت في مطلع شهر سبتمبر الحالي، تلبية لدعوة المجلس الانتقالي الجنوبي، وهي المظاهرات التي أثبتت بوضوح لا يدع مجالا للشك فيه أن إرادة الشعب في الجنوب ظلت عصية على الانكسار رغم كل المحاولات والضربات القاسية التي وجهتها المملكة العربية السعودية بكل ما تمتلكه من إمكانيات وحيل مادية وسياسية وعسكرية منذ شهر يناير الماضي، بل إن تلك المساعي تسببت في زيادة صلابة هذه الإرادة وتوسع قاعدتها الشعبية مع كل محاولة او ضربة.

وكان المحرك الأساسي لاستمرار استهداف هذه الإرادة الشعبية المتمثلة في استعادة دولة الجنوب وتحقيق استقلالها هو محاولة دفع الشارع الجنوبي للتراجع خطوة واحدة إلى الخلف والتخلي عن هدف الاستقلال لمصلحة القبول بخيارات ومشاريع سياسية لا يقبلها اصلا مثل الفيدرالية أو الكونفدرالية مع الشمال تلبية لرغبة المخرج الدولي، غير أن المشهد الجماهيري الأخير في حضرموت وعدن وجه صفعة قوية لهذه التقديرات، مؤكدا أن الإحباط لم يجد طريقه إلى عزيمة الجنوبيين، وأن الضغوط القاسية المتواصلة التي لطالما مورست ضدهم خلال الفترة الماضية لم تزدهم إلا تمسكا بثوابتهم الوطنية وتصميما على نيل استقلالهم التام.

وأمام هذا الصمود الصلب الذي أفشل الرهانات السياسية، لم يجد المخرج الدولي الذي يدير أوراق اللعبة ويحرك أطراف الصراع المتمثلة في السعودية وإيران وجماعة الحوثي والحكومة الشرعية بعيدا عن اعين الشعوب وسيلة لممارسة الضغط والتضييق على التمدد الجماهيري الجنوبي سوى إصدار الأوامر لهذه الأطراف بتسهيل تقدم الحوثي نحو الشريط الحدودي للجنوب، بغية توظيفه كفزاعة عسكرية تلوح بالخطر الداهم وترغم الجنوبيين تحت وقع التهديد المباشر على التراجع عن خيار الاستقلال والتنازل لصالح مشروع الفيدرالية أو الكونفدرالية.

غير أن هذا التكتيك الدولي ينطوي على قراءة خاطئة ومغلوطة لواقع الشارع الجنوبي الذي لا يمكن ان ينصاع لهذه الضغوط العسكرية المتفق عليها، بل سيذهب إلى أقصى درجات الاستماتة والتمسك باستعادة دولته الوطنية، فالجنوبيون يبدون استعدادا تاما لخوض المواجهات المسلحة ومقاومة التمدد الحوثي أو أي خطر آخر حتى الرمق الأخير، مقتنعين تماما بأن مشاريع الشراكة السياسية مع الشمال سواء كانت فيدرالية أو كونفدرالية تظل أسوأ صور الاحتلال كونها تمنح التواجد الشمالي شرعية قانونية بتوقيع وإرادة جنوبية، وهو ما يفسر تفضيل الشارع الجنوبي لواقع الاحتلال الصريح والمباشر على القبول بصفقات سياسية تشرعن التبعية وتجهز على تطلعات الاستقلال.

وبناء على هذه القراءة الموضوعية الدقيقة لمجمل الأحداث، تتجلى حقيقة ما جرى في الساحل الغربي باعتباره مجرد ترتيبات وتفاهمات جرت خلف الكواليس لإفساح المجال أمام تقدم الحوثي، واستخدام هذا التمدد كأداة إرهاب سياسي وعسكري لوضع الشعب الجنوبي بين فكي المطرقة والسندان، وإجباره على تقديم تنازلات جوهرية تقود في النهاية إلى القبول بشرعنة الاحتلال تحت مسميات واهية.

 

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى