مقالات

الجنوب ومعادلة الجبهات المفتوحة: من المنظور التحرري إلى الاستئجار القتالي

بقلم د. أمين العلياني

 

ليست أخطر معضلات الحروب المفتوحة أن تتعدد جبهاتها، أو أن تتسع رقعة المواجهات فيها، وإنما أن تفقد الشعوب التي تخوضها من أجل قضاياها الوطنية ومشاريعها السياسية العادلة القدرة على التحكم في مسار تضحياتها، وأن تتحول من أطراف تقاتل بإرادتها لتحقيق أهدافها التحررية إلى أدوات تُستنزف في معارك لا تملك قرارها، ولا تضمن نتائجها، ولا تجد في نهايتها ما يعادل أثمان الدماء التي دفعتها.

فهناك فارق جوهري بين تحالفٍ تتقاطع فيه المصالح مع احترام إرادة الشعوب وحقوقها السياسية، وتحالفٍ تُختزل فيه تضحيات الشعوب إلى أوراق ضغط في حسابات إقليمية، وتُستدعى فيه قواتها إلى الجبهات حين تقتضي المصالح، ثم تُترك لمواجهة تبعات الحرب وحدها حين يحين استحقاق الحماية والدعم والوفاء بالالتزامات، وهذه هي المفارقة التي تستحق اليوم مكاشفة سياسية صريحة بشأن تجربة الجنوب في معادلة الحرب المفتوحة.

لقد دخل الجنوب في معادلة المواجهة مع المشروع الحوثي انطلاقًا من قضية وطنية وتطلعات سياسية واضحة، ولم تكن تضحيات أبنائه مجرد استجابة لاعتبارات عسكرية محددة، بل كانت امتدادًا لمسار نضالي طويل، دفع خلاله شعب الجنوب أثمانًا باهظة من دماء أبنائه، دفاعًا عن أرضه وحقه في استعادة دولته وتقرير مستقبله السياسي؛ ولذلك، فإن أي تحالف يستند إلى قوة الجنوب وتضحياته لا يمكن أن يتعامل مع هذه الحقيقة بوصفها تفصيلًا قابلًا للتجاوز، أو أن يفصل المقاتل الجنوبي عن قضية شعبه السياسية التي منحته دوافع الصمود والاستبسال؛ لكن المفارقة أن الحروب التي رُفعت عناوينها تحت مظلة استعادة الشرعية ومواجهة الحوثيين، أفرزت مع مرور الوقت أسئلة جوهرية حول طبيعة الأهداف، وحدود الالتزامات، ومصير القوى التي تحملت العبء الأكبر من المواجهات على الأرض؛ فحين تتسع جبهات المواجهات القتالية، وتُطلب التضحيات، بينما يتراجع الدعم العسكري، وتغيب الرعاية الطبية، وتتقلص إمكانات الحماية والإسناد، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت قوات الجنوب أن تُعامل بوصفها شريكًا في معركة لها أهداف سياسية وأمنية مشتركة، أم بوصفها قوة قتالية يُراد الاستفادة من حضورها الميداني دون الاعتراف باستحقاقاتها الوطنية.

إن ما يثير القلق في المشهد الراهن هو اتساع الفجوة بين حجم المطلوب من القوات الجنوبية وحجم ما يتوافر لها من مقومات الصمود والحماية؛ فكيف يُطلب من هذه القوات خوض مواجهات مفتوحة مع الحوثيين، بينما تظل احتياجاتها من التعزيزات العسكرية، والإسناد الميداني، والتجهيزات الدفاعية، والرعاية الطبية للجرحى، وتأمين المنشآت الحيوية، وحماية المدن والسكان، من الصواريخ والطيران المسير دون المستوى الذي تفرضه طبيعة المعركة؟ وكيف يمكن تفسير الزج بتلك القوات في جبهات شديدة الخطورة، دون توفير الحد الأدنى من الضمانات التي تحمي أرواح المقاتلين وتصون أمن المناطق التي يتقدمون للدفاع عنها؟ هذا من جهة ومن جهة أخرى لماذا لا تفتح بقية الجبهات لتخفيف الهجوم على القوات الجنوبية ومناطق الاشتباك كما هو حاصل على أرض قبائل الصبيحة الأبية.

 

إن المسألة هنا لا تتعلق برفض مواجهة الحوثيين، ولا بالتنصل من مسؤولية حماية الجنوب والمنطقة من أخطار التمدد الحوثي، وإنما تتعلق بجوهر العلاقة بين الواجب العسكري والحق السياسي، وبين المشاركة في الحرب والاعتراف بأهدافها الوطنية؛ فالقوات التي تقاتل دفاعًا عن أرضها وقضيتها لا يجوز أن تُعامل بوصفها قوة مستأجرة، تُستدعى عند الحاجة، وتُترك عند اشتداد الخطر، ثم يُراد منها أن تواصل القتال دون أن تكون لها ضمانات واضحة بشأن مصير قضيتها وتضحيات شعبها.

 

وفي هذا المسار تقدم جبهات الصبيحة اليوم صورة تستدعي الوقوف أمامها بجدية ومسؤولية وطنية؛ فهذه المنطقة التي ظلت حاضرة في معادلات الدفاع عن الجنوب، وقدمت قبائلها وقواتها تضحيات جسيمة، تجد نفسها أمام تحديات عسكرية وإنسانية لا يمكن اختزالها في حدود الاشتباك الميداني؛ فحين تتعرض مناطق الصبيحة ومواقعها السكانية والعسكرية لمخاطر المواجهات، وتدفع القوات معها هناك إلى خطوط النار في ظل نقص الإسناد والتجهيزات الدفاعية، وتتزايد احتياجات الجرحى والنازحين والمتضررين، فإن المسألة تتجاوز الحسابات العسكرية إلى مسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه الأرض والإنسان، ولا يكفي أن تُقاس المعركة بما تحققه من تقدم أو تراجع على خطوط التماس، بينما تظل كلفة المواجهة معلقة على أكتاف القبائل والمجتمع المحلي والأسر والقوات الجنوبية التي تدفع من أمنها ومعيشتها واستقرارها ثمنًا لهذه الحرب.

والأكثر إثارة للتساؤل أن تتحول قوافل الإغاثة والمساعدات التي يسيّرها أبناء الجنوب من مواردهم وإمكاناتهم، إلى وسيلة لسد فجوات كان يفترض أن تتحمل مسؤوليتها المؤسسات الحكومية والجهات التي تدير الحرب وتملك قرارها وإمكاناتها؛ فليس من المقبول أن يصبح الشعب الجنوبي مطالبًا بتمويل إغاثة المتضررين من حربٍ لم ينفرد بقرارها، وأن يتحمل المواطنون أعباء النزوح والعلاج والإيواء، بينما تبقى مسؤوليات الحماية والرعاية والإسناد موضع تساؤل.

إن إغاثة النازحين وإيواء المتضررين واجب إنساني ووطني، ولا ينبغي أن تتحول إلى مادة للمزايدة أو الانتقاص من جهود المبادرات الشعبية، لكن هذه المبادرات، مهما بلغت قيمتها، لا تعفي الجهات المعنية من مسؤولياتها، ولا يجوز أن تصبح بديلًا دائمًا عن واجبات الدولة والتحالف والقيادات العسكرية والسياسية.

والأخطر في المعادلة هو أن تتحول الجنوب وقواته من شراكة الحرب إلى الاستئجار القتالي، وهنا تتجلى خطورة التحول من المنظور التحرري إلى ما يمكن وصفه بالاستئجار القتالي؛ وهو تحول لا يُقاس بمجرد وجود قوات جنوبية في جبهات متعددة، وإنما بطبيعة العلاقة التي تربط مشاركتها العسكرية بأهدافها الوطنية، وبمدى امتلاكها قرارها، وحصولها على حقوقها في الحماية والإسناد، وضمان عدم توظيف تضحياتها في ترتيبات سياسية تنتقص من مشروعها التحرري؛ فالمنظور التحرري يجعل الدفاع عن الأرض امتدادًا للدفاع عن حق الشعب في تقرير مصيره، أما منطق الاستئجار القتالي فيفصل القوة عن قضيتها، ويجعل قيمة المقاتل مرتبطة بقدرته على تنفيذ المهام المطلوبة منه مقابل الراتب، لا بحقوقه الوطنية ولا بالهدف السياسي الذي دفعه إلى التضحية، وبين المنطقين مسافة سياسية وأخلاقية لا يجوز تجاهلها.

ومن هنا تبرز تساؤلات مشروعة حول طبيعة الحسابات الإقليمية التي تحكم إدارة الجبهات الجنوبية، وحول مدى ارتباط الدعم العسكري والإنساني بأولويات المواجهة الفعلية، في ظل تحولات إقليمية تتسارع فيها مسارات التفاوض والتفاهمات مع أطراف كانت السبب وراء هذه الحرب واشتعال المواجهات المدمرة؛ فحين تتقدم مسارات التسوية، وتُعاد صياغة المصالح والتحالفات، يصبح من الضروري ضمان ألا تتحول القوات الجنوبية إلى الطرف الذي يدفع كلفة المواجهة، ثم يجد نفسه خارج حسابات التسوية، أو أمام ترتيبات تنتقص من قضيته وتضحياته.

ولا يعني ذلك افتراض أن كل تفاهم إقليمي يستهدف الجنوب أو أن كل تحرك سياسي يستبطن بالضرورة مشروعًا لإضعافه، لكنه يفرض ضرورة إخضاع هذه التحولات لمعيار واضح: هل تحمي مصالح الجنوب وحقوقه السياسية، أم تجعل من قضيته ورقة قابلة للتأجيل والمساومة؟

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب في الحروب الممتدة ليس استنزاف مواردها البشرية والمادية فحسب، بل أن تجد نفسها بعد كل تلك التضحيات أمام واقع سياسي لا يعترف بالأهداف التي قاتلت من أجلها، وهنا يصبح القول: فليس من العدالة أن يُطلب من الجنوب أن يكون حاضرًا في كل جبهة، بينما يُراد لقضيته أن تغيب عن طاولات القرار، أو أن تكون مشاركته العسكرية أوسع من حضوره السياسي، وأن تكون التزاماته في الحرب أكبر من حقوقه في رسم مستقبل السلام.

إن الجنوب الذي خاض معاركه دفاعًا عن أرضه وكرامة أبنائه وحقه السياسي، لا يمكن أن يقبل اختزال حضوره في وظيفة عسكرية، أو التعامل مع قواته بوصفها وقودًا بشرية مفتوحة يسهل استنزافها لحسابات الآخرين؛ فالقوة العسكرية الجنوبية ليست كيانًا منفصلًا عن شعبها، ولا يمكن فصل تضحياتها عن المشروع الوطني الذي تشكلت إرادتها في سياقه.

ومن مقتضيات المسؤولية أن تكون هناك مراجعة جادة لطبيعة المشاركة في الجبهات المفتوحة، تقوم على وضوح الأهداف، وتحديد المسؤوليات، وضمان الإسناد العسكري والطبي والإنساني، وتأمين المدن والمنشآت الحيوية، وحماية المدنيين، وعدم الزج بالقوات في مواجهات تتجاوز إمكاناتها الدفاعية المتاحة. وكما تقتضي أن تكون قضية شعب الجنوب ومشروعها السياسي حاضرين في أي ترتيبات تتصل بالحرب أو التسوية، بوصفهما جوهرًا لا يمكن تجاوزه أو استبداله بتفاهمات لا تعبر عن إرادة شعب الجنوب؛ لأنه فلا معنى لانتصار عسكري يُفضي إلى هزيمة سياسية، ولا قيمة لتضحيات تُستنزف في جبهات متعددة إذا انتهى بها الأمر إلى إضعاف القوة التي يفترض أن تحمي الجنوب وتصون مستقبله. كما لا يجوز أن تكون حماية الأمن الإقليمي مبررًا لتجاهل الأمن الوطني الجنوبي، أو أن تتحول الشراكة العسكرية إلى التزام من طرف واحد، يدفع فيه الجنوب الدماء، بينما تظل حقوقه السياسية معلقة على حسابات الآخرين.

إن الصبيحة وكل مناطق ومحافظات ومدن وقوات الجنوب ليسوا مجرد خطوط تماس في خريطة حرب إقليمية، بل مجتمع وأرض وتاريخ وتضحيات، ومن حقهم أن يجدوا الحماية والإسناد والرعاية، وأن تكون كرامة المقاتل وحقوق أسرته وسلامة المدنيين جزءًا أصيلًا من أي استراتيجية عسكرية.

فالسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: كم جبهة يستطيع الجنوب أن يفتح؟ بل: من يضمن ألا تتحول هذه الجبهات إلى محارق تستنزف قوته، ومن يضمن أن تكون تضحياته طريقًا إلى تحقيق مشروعه الوطني لا وسيلة لتصفية حسابات الآخرين؟ فالجنوب لم يقدم شهداءه ليصبح قوة قتالية بلا قضية، ولم يخض معاركه ليكون حاضرًا في حسابات الحرب وغائبًا عن استحقاقات السلام. ومن حقه أن يعرف لمن تُفتح الجبهات، ولأي غاية تُخاض المعارك، ومن يتحمل مسؤولية المقاتلين والنازحين والجرحى، وما الضمانات التي تحول دون تحويل تضحياته إلى رصيد سياسي وعسكري يُستثمر بعيدًا عن إرادة شعبه. وبهذا فالدم الجنوبي ليس وقودًا مجانيًا لحروب الآخرين، والقوات الجنوبية ليست قوة للاستئجار، وقضية شعب الجنوب ليست بندًا مؤجلًا في دفاتر التسويات الإقليمية ولا ميدانًا فسيح لزرع أجندات المكونات الكرتونية والمجالس التنسيقية التي لا تعبر عن مشروع سياسي جنوبي واحد، بل تكون معبرة عن رغبات جنوبية متعددة يريد لها أن تحقق رغبة تزوير وتصور أن إرادة الداخل الجنوبي مختلفة لا موحدة للخارج الإقليمي والدولي.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى