اخبــار محليــة

الجنوب… إرادةٌ صنعت النصر واستحقاقٌ لا يقبل التجاهل

(المدارة) أنور العمري

 

كيف سقطت مناطق واسعة من الشمال، رغم ما امتلكته من قوات وعتاد ونفوذ قبلي وعسكري، بينما صمد الجنوب بإمكانات محدودة، وواجه الاجتياح حتى حرّر محافظاته؟

 

ليس هذا سؤالًا عابرًا، ولا مقارنةً غايتها الانتقاص من أحد؛ بل هو سؤال تفرضه وقائع حرب عام 2015م، وتكشف الإجابة عنه فارقًا جوهريًا بين قوى امتلكت أدوات القوة ولم تحسن توظيفها، وشعب امتلك إرادة الدفاع عن أرضه، فحوّل محدودية إمكاناته إلى قدرة على الصمود والانتصار.

 

في الشمال، لم يكن الانهيار وليد نقص السلاح أو الإمكانات؛ فقد تداخلت الانقسامات السياسية والعسكرية مع تحالف الحوثيين والقوى الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح، وبرزت مظاهر التخادم والتواطؤ، وتسليم المواقع العسكرية، وتسريب العتاد، وتبدّل ولاءات بعض القوى والقبائل. وأسهمت هذه الاختلالات مجتمعةً في إضعاف جبهة المواجهة، ومهّدت لاتساع رقعة السيطرة الحوثية.

 

وهنا يبرز السؤال: كيف أمكن لقوى امتلكت مؤسسات عسكرية وعتادًا ونفوذًا واسعًا أن تفقد مواقعها بهذه السرعة؟ تكشف هذه الوقائع أن السلاح، مهما بلغت قوته، يفقد أثره حين يغيب القرار الموحد، وتتضارب المصالح، وتتقدم الحسابات الخاصة على مسؤولية الدفاع عن الأرض. ولا يعني ذلك تحميل أبناء الشمال جميعًا مسؤولية الانهيار؛ فقد قاوم كثيرون وقدموا تضحيات، وإنما تتجه المساءلة إلى القوى والقيادات التي تخلت عن مسؤولياتها أو أسهمت في تسهيل التوسع الحوثي.

 

أما الجنوب، فقد كانت معادلته مختلفة. فلم يمتلك وفرة الإمكانات التي امتلكتها قوى الشمال، لكنه امتلك إرادة المواجهة ووضوح الغاية. وحين امتد الاجتياح إلى أرضه، نهض أبناؤه للدفاع عن دينهم وأرضهم وعِرضهم وكرامتهم، وتجاوزوا خلافاتهم، وتلاحمت صفوفهم في مواجهة قوات الغزو.

 

وبفضل الله وتوفيقه أولًا، ثم بثبات أبنائه وتضحياتهم ومساندة الأشقاء في التحالف العربي، تمكن الجنوب من تحرير محافظاته التي اجتاحتها قوات الحوثيين وحلفائهم. وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: قوى امتلكت السلاح فتراجعت، وشعب محدود الإمكانات ثبت وصمد حتى حقق النصر. فلم تكن المسألة وفرة عتاد في مقابل قلته، بل تماسك الإرادة في مقابل تفككها، ووضوح الهدف في مقابل تضارب الولاءات.

 

لكن هل كان هذا الثبات وليد معركة عام 2015م وحدها، أم أن له جذورًا أعمق في تاريخ الجنوب وهويته؟

 

على امتداد 129 عامًا من الوجود البريطاني في الجنوب، ظل المجتمع الجنوبي متمسكًا بدينه الإسلامي وهويته العربية، ولم يستطع الاحتلال اقتلاع جذوره الدينية أو طمس هويته، رغم ما مارسه من نفوذ ومحاولات للتأثير في المجتمع؛ حتى انتزع الجنوب استقلاله عام 1967م محتفظًا بهويته وثوابته. وهذا الامتداد التاريخي ليس تفصيلًا منفصلًا عن الحاضر، بل يضيء جانبًا من ارتباط المجتمع الجنوبي بدينه وأرضه وهويته، ومن أسباب تمسكه بها حين تعرضت للتهديد.

 

وفي هذه المعركة، لم يكن السلاح وحده حاضرًا في الميدان؛ فقد اضطلع الوعي الديني بدور مهم في تحصين المجتمع وصيانة هويته. ففي مناطق الشمال الخاضعة لسيطرة الحوثيين، جرى توظيف المنابر الدينية والخطاب المسجدي لنشر أفكار الجماعة وتكريس توجهاتها، بالتوازي مع توظيف التعليم والمناهج في تشكيل وعي الأجيال وفق مشروعها الفكري.

 

أما في الجنوب، فقد كان رجال الدين الصادقون وخطباء المساجد عند مستوى المسؤولية؛ فحافظوا على رسالة المنبر، وعززوا الوعي الديني والوطني، ولم يقتصر دورهم على التوجيه والإرشاد، بل شاركوا في ميادين المواجهة. وقد أثمرت رسالتهم التوعوية أثرًا ملموسًا على أرض الواقع؛ فكانوا في طليعة المدافعين عن الدين والأرض والعِرض، صفًّا واحدًا إلى جانب إخوانهم من أبناء المقاومة الجنوبية، كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضًا، في مشهد جسّد وحدة الموقف وتكامل المسؤولية والتضحية.

 

ولم يتوقف الموقف الجنوبي عند حدود الدفاع العسكري؛ فعلى الرغم من ويلات الحرب وشح الإمكانات وتراجع الخدمات، احتضن الجنوب النازحين واستقبل المتضررين، وتقاسم معهم ما تيسر من إمكاناته. فكان حاضرًا في ميدان الدفاع عن الأرض، كما كان حاضرًا في ميدان المسؤولية الإنسانية.

 

فماذا تعني هذه التجربة سياسيًا؟ وهل يُعقل أن يُحتفى بتضحيات الجنوب عند الحاجة، ثم يُتجاهل حقه حين يحين وقت الاستحقاقات؟

 

إن ما حققه الجنوب لم يكن مجرد انتصار عسكري عابر، بل تجربة أثبت فيها شعبه قدرته على حماية أرضه وهويته، وتحمل مسؤولية الدفاع عن أمنه ومصيره. ومن ثم، فإن تجاهل إرادته السياسية أو تأجيل حقه في تقرير مصيره لا ينسجم مع حجم التضحيات التي قدمها، ولا مع الدلالات السياسية والوطنية لتجربته.

 

وعليه، فإن إنصاف الجنوب لا يتحقق بالإشادة بتضحيات أبنائه وحدها، وإنما بالاعتراف بحق شعبه في تقرير مصيره واستعادة دولته واحترام إرادته السياسية. فالجنوب الذي أثبت قدرته على حماية أرضه وهويته، وصنع النصر بتوفيق الله ثم بتضحيات أبنائه ومساندة أشقائه، لا يجوز أن يُغفل استحقاقه أو يُرحّل حقه؛ فالشراكة العادلة تبدأ بالاعتراف بالحقوق، والوفاء للتضحيات يكون بإنصاف أصحابها.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى