فخ الطاقة المستأجرة وحقائق الاستدامة: قراءة في الوعي الشعبي لملف الكهرباء بالجنوب


المدارة – كتب/ محمد بازماله
في ظل الأزمات المعيشية والخدمية المتلاحقة التي تشهدها المحافظات الجنوبية يتصدر ملف الكهرباء واجهة المشهد كأحد أكثر الملفات تعقيداً بالنظر إلى أبعاد استغلاله لتحقيق مكاسب سياسية وتداعياته المستمرة في استنزاف موارد الدولة العامة.
و تزامناً مع موجة الضخ الإعلامي الممنهج التي رافقت وصول المولدات الكهربائية الأخيرة شهدت الساحة الإعلامية انقساماً حاداً حيث اصطدمت محاولات الترويج الدعائي الساعية لصناعة مكرمات ومنح وهمية بجدار الحقائق المجردة على الأرض وهي الحقائق التي تولت فرز الغث من السمين وكشف الطبيعة الحقيقية لحجم وشكل الدعم الإقليمي المقدم لملف الطاقة المعقد في الجنوب .
وسط هذا الضجيج برزت حالة وعي شعبي متقدمة تتجاوز الشعارات والاستهلاك الإعلامي لتضع الشارع أمام استحقاق معرفي يرتكز على التمييز الدقيق بين نمطين من التدخل الإقليمي الأول نمط الدعم التنموي المستدام وهو الذي يمنح الأرض أصولاً سيادية ومحطات توليد مملوكة للدولة توفر حلولاً جذرية طويلة الأجل ودون شروط أو التزامات مالية تثقل كاهل السلطات.
أما الثاني نمط العقود التجارية القائمة على الاستئجار وشراء الطاقة وهو استثمار تجاري بحت يدفع ثمنه من خزينة الدولة ويتحول بمرور الوقت إلى أداة للضغط السياسي والاقتصادي.
هذا الفرز الشعبي الواعي يثبت أن الشارع الجنوبي اليوم لم يعد مرتعاً لتمرير “البروباغندا” الموجهة بل بات يدرك جيداً أن الخدمة المدفوعة الثمن من ثروات بلاده وحقوقه الأساسية لا تستوجب صيغ الشكر والثناء الفضفاض وأن المفاضلة الحقيقية تقاس بمقدار ما يتركه الدعم من مشاريع حيوية مستدامة وملموسة على أرض الواقع.
لهذا أثارت موجة الإشادات الممنهجة بخصوص وصول مولدات كهربائية جديدة لغطاً واسعاً حاولت فيه بعض الأطراف تصوير الأمر كمنحة سخية أو دعم إغاثي من الرياض إلا أن التقصي المهني كشف حقيقة مغايرة تماماً وهي أن المولدات الكهربائية التي دخلت مؤخراً من الرياض ليست هبة ولا منحه بل خاضعة لعقود طاقة مستأجرة تلتزم فيها الحكومة بدفع مبالغ طائلة بانتظام للشركة المالكة والمشغلة ، أي إن كلفة هذه الطاقة تسدد بالكامل بتمويل ذاتي من خزينة الدولة وهي أموال مستقطعة مباشرة من عائدات الثروات السيادية ومن عرق وجيوب المواطنين الذين يدفعون ثمن الخدمة أضعافاً مضاعفة.
#سقوط بروباغندا الشكر:
بناء على هذه المعطيات فإن محاولات “المبنكسين” والمروجين لتوزيع الشكر المجاني لجهات خارجية تفتقر إلى السند المنطقي والواقعي فالشعب لا يجب أن يشكر أحداً على خدمة يشتريها بماله الخاص وبأعلى الأسعار.
على الجانب الآخر قدم نموذج أبوظبي في المحافظات المحررة رؤية مغايرة تماماً تعتمد على استدامة الأثر ونقل الملكية الكاملة للمجتمعات المحلية بعيداً عن حسابات الربح والخسارة أو عقود الإيجار الاستنزافية ويتضح ذلك جلياً من خلال المشاريع الاستراتيجية التالية:
#مشروع محطة الطاقة الشمسية في العاصمة عدن: تمثل هذه المحطة نقلة نوعية كأول وأكبر مشروع استراتيجي للطاقة النظيفة في البلاد.
لم تكن المحطة مجرد مسكن مؤقت بل قدمت كمنحة كاملة غير مشروطة تم تسليمها لتصبح ملكاً خالصاً للمؤسسة العامة للكهرباء مما يوفر ملايين الدولارات شهرياً كانت تذهب لشراء الديزل والمازوت.
#مشروع الطاقة الشمسية في محافظة شبوة: خطوة استراتيجية مماثلة جاءت لتلبي احتياجات المحافظة من الطاقة المستدامة والنظيفة مما يسهم في تخفيف الضغط المالي عن السلطة المحلية ويوفر خدمة مستقرة للمواطنين .
وهنا ندرك الفرق بين من يتعامل مع قطاع الطاقة كسوق تجاري استثماري يربط استقرار الخدمات بفواتير وإيجارات تدفعها الدولة من قوت شعبها وبين من يغرس في الأرض مشاريع حيوية ومستدامة تظل ملكاً للأجيال هو الفارق بين التبعية والتمكين.
الخلاصه ، خدمة الكهرباء حق مدفوع الثمن من ثروات الوطن السيادية و من عرق هذا الشعب الصابر لهذا يجب أن يكون الثناء الحقيقي والاعتراف بالجميل لمن قدم مشاريع حقيقية ملموسة تملكها الأرض ويستفيد منها الإنسان دون شروط مسبقة أو فواتير مؤجلة مثل الإخوة في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة.
محمد بازماله
#جنوبيون_موعدنا_مليونيه_يوليو




