تقـــارير

القتال خارج حدود الجنوب.. محرقة تستنزف الجنوبيين وتعيد إنتاج حرب بلا نهاية

 

 

لم تعد قضية مشاركة أبناء الجنوب في معارك تدور خارج حدود أرضهم مجرد مسألة عسكرية أو قرار ميداني عابر، بل تحولت إلى سؤال سياسي وإنساني كبير يتصل بمستقبل الجنوب وأبنائه، وبالطريقة التي تُدار بها الحرب منذ سنوات طويلة. فكلما دُفع بالجنوبيين إلى جبهات بعيدة عن أرضهم، عاد السؤال نفسه إلى الواجهة: لماذا يتحمل أبناء الجنوب كلفة معارك لا تنتهي، بينما تبقى قضيتهم الأساسية معلقة، وتظل حدودهم وأمن مدنهم بحاجة إلى قوة تحميها؟

لقد أثبتت سنوات الحرب أن إرسال المقاتلين الجنوبيين إلى جبهات خارج الجنوب لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب، بل قد يعني استمرار دائرة الاستنزاف. شاب جنوبي يغادر أسرته إلى جبهة بعيدة قد لا يعود، وإذا عاد فقد يعود بجراح جسدية أو نفسية، بينما تبقى أسرته أمام واقع اقتصادي صعب ومستقبل غامض. وهنا تتحول المعركة من مواجهة عسكرية محددة إلى فاتورة اجتماعية يدفعها المجتمع الجنوبي بأكمله.

المشكلة ليست في مبدأ الدفاع عن اليمنيين أو مواجهة أي تهديد، وإنما في غياب تعريف واضح للهدف السياسي والعسكري من هذه المعارك، وفي السؤال عن الأولويات. فحين تكون مدن الجنوب بحاجة إلى حماية أمنية وعسكرية، وحين تعاني المؤسسات العسكرية والأمنية من أزمات الرواتب والتسويات والحقوق، يصبح من المشروع أن يسأل المواطن: لماذا يُطلب من الجندي الجنوبي أن يقاتل بعيداً عن أرضه، بينما حقوقه الأساسية لم تُحسم؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول المقاتل الجنوبي إلى قوة احتياط دائمة في حروب الآخرين، بينما تظل قضيته الوطنية مؤجلة. فالجيوش لا تُقاس فقط بعدد المقاتلين الذين يمكن إرسالهم إلى الجبهات، وإنما بقدرتها على حماية الأرض التي تنتمي إليها، والحفاظ على أمن شعبها، وصون حياة أفرادها وحقوقهم.

ولا يمكن تجاهل البعد السياسي لهذه المسألة. فكل عملية دفع بالقوات الجنوبية إلى خارج مناطقها تفتح نقاشاً حول طبيعة القرارات التي تحدد وجهة هذه القوات، ومن يملك قرار الحرب، ومن يتحمل مسؤولية الخسائر البشرية. وإذا لم تكن هناك رؤية واضحة ومعلنة، فإن المخاوف تتزايد من أن يصبح الجنوب مصدراً بشرياً لحروب متعددة، بينما لا يحصل أبناؤه في المقابل على ضمانات حقيقية بشأن مستقبل قضيتهم وحقوقهم السياسية.

لقد دفع الجنوب ثمناً باهظاً خلال سنوات الصراع، وقدم آلاف المقاتلين في معارك مختلفة، ولذلك فإن استمرار سياسة الاستنزاف البشري يحتاج إلى مراجعة جادة. فالشباب الجنوبي ليسوا أرقاماً في كشوفات عسكرية، ولا وقوداً مفتوحاً لحروب بلا سقف زمني. خلف كل مقاتل أسرة تنتظر عودته، وأم تخشى فقدان ابنها، وأطفال ينتظرون أباً قد لا يعود.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات. حماية الجنوب وتأمين مدنه ومناطقه وحدوده يجب أن تكون في صدارة أي استراتيجية عسكرية تخص أبناءه. أما المشاركة في جبهات أخرى، فينبغي أن تخضع لقرار سياسي واضح، ومصلحة وطنية معلنة، وضمانات حقيقية للمقاتلين وأسرهم، بعيداً عن منطق الاستنزاف المفتوح.

فالجنوب الذي يريد بناء مستقبل سياسي مستقر يحتاج إلى بناء قوة عسكرية وأمنية منظمة، لا إلى استنزاف أبنائه في معارك متفرقة. والقوة الحقيقية لا تكمن في إرسال أكبر عدد ممكن من الجنود إلى الجبهات، بل في امتلاك قرار واضح بشأن أين يقاتلون، ولماذا يقاتلون، ومن أجل أي هدف، ومتى تنتهي المهمة.

إن استمرار القتال خارج حدود الجنوب دون رؤية سياسية واضحة قد يحول التضحيات إلى دائرة لا تنتهي: مقاتل يذهب، وآخر يحل محله، وأسرة تفقد ابنها، وجبهة تفتح بعدها جبهة أخرى، بينما يظل السؤال الأساسي بلا إجابة.

لقد آن الأوان لأن يصبح دم الجنوبيين وطاقاتهم جزءاً من مشروع واضح، لا ورقة مفتوحة في صراعات متعددة. فالجنوب بحاجة إلى أبنائه أحياء، وإلى مؤسساته قوية، وإلى أمنه مستقراً، وإلى قرار عسكري وسياسي يحمي مصالح شعبه قبل أن يزج به في معارك لا يعرف نهايتها.

القتال ليس غاية بحد ذاته، والتضحية لا تصبح أكثر قيمة لمجرد أنها تحدث في جبهة بعيدة. قيمة التضحية الحقيقية تبدأ عندما تكون مرتبطة بهدف واضح، وقرار مسؤول، ومصلحة وطنية يعرفها المقاتل وأسرته والشعب الذي يقف خلفه.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى