الرئيسيــةتقـــارير

لماذا تصر الرياض على استهداف المشروع الجنوبي التحرري؟

المدارة
الخميس – 25 يونيو 2026/ د. أمين العلياني

في تضاريس الذاكرة الجمعية لأبناء الجنوب العربي، ثمة جرح غائر لا يندمل، ووعد مؤجل لا يموت؛ إنه وعد دولة الجنوب التي سقطت رايتها تحت نيران حرب ضروس عام 1994، وتكررت عام 2015م، لكن شرعية استعادتها ظلت كالجمر تحت رماد الهزيمة، تتقد كلما هبت رياح التغيير. ومن تحت ركام تلك الهزيمة، ومن عمق الإحباط الذي خلفته وحدة التهمت كل شيء ولم تهضم شيئًا، انبثق المشروع الجنوبي من الحراك المتشظي إلى الكيان الموحد في بوتقة المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، ليصبح المجلس الانتقالي الجنوبي ليس كيانًا سياسيًا عابرًا، بل تجسيدًا لإرادة شعبية جارفة، ويقينًا ثوريًا بأن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بإرادة لا تقل قوة. غير أن هذا المشروع، الذي اتخذ من استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة غاية لا تقبل التأويل، وجد نفسه منذ لحظة ميلاده الأولى في مواجهة خصم لم يكن شماليًا هذه المرة، بل كان حليف اللحظة الراهنة: المملكة العربية السعودية.

لقد أثبتت الأيام، بما لا يدع مجالًا للشك، أن ثمة تناقضًا بنيويًا بين رؤية الرياض لإدارة الملف اليمني، والطموح التحرري الذي يحمله المجلس الانتقالي في استعادة دولته الجنوبية. ففيما كانت الرياض تنظر إلى الجنوب بوصفه مخزونًا استراتيجيًا للأرض والإنسان، وورقة ضغط عسكرية يمكن تطويعها لمواجهة جماعة الحوثي، كان الجنوبيون ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم أصحاب قضية عادلة ووطن مغتصب، لا بندقية مستأجرة ولا ميليشيا موسمية. وفي هذا المفترق القاتم، بدأت ملامح الصدام تتشكل.

منذ عام 2018، حين حاولت الرياض إجهاض إرادة الشعب الرافضة لفرض شرعية هاربة بلا أرض، خرجت الجماهير المليونية الجنوبية لتجديد التفويض الشعبي، وكانت الرسالة واضحة: القرار الجنوبي المستقل خط أحمر. ثم جاءت فصول المسرحية ذاتها في 2019، حيث تحولت الوعود إلى مراوغات، والدعم إلى اشتراطات، والشراكة إلى محاولة احتواء مكشوفة، تكللت باتفاق الرياض الأول والثاني وقرار نقل السلطة الذي أريد له أن يكون قفصًا مذهّبًا يُقيد به المجلس الانتقالي داخل إطار حكومة مناصفة تذيب نزعته التحررية في تفاصيل بيروقراطية خانقة. لقد راهنت الرياض على أن إغراق المجلس في حرب خدماتية معيشية، وإدخاله في متاهة حرب اقتصادية تحرق أعصاب الشارع، كفيل بتحويله من كيان ثوري إلى مجرد شريك منهك، يطارده غضب جماهيره قبل أن تطارده مدفعية أعدائه.

لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن الرياض. فالمجلس الانتقالي، بحنكة قيادته وإرثه النضالي، استطاع في كل مرة أن يخرج من المأزق أصلب عودًا. حين مُنعت مرتبات قواته الأمنية والعسكرية، لجأ إلى ترشيد الموارد وتعزيز التكافل الداخلي. وحين حاولت الرياض اختراق بنيته الداخلية عبر أدواتها، وتفريخ نزاعات مناطقية، وتشجيع تمردات قبلية ترفع شعار الهويات المحلية الضيقة في وجه الهوية الجنوبية الجامعة، ردّ المجلس بمبادرة الحوار الجنوبي الذي احتوى الكيانات السياسية المتوافقة مع الهدف، وتُوّج بالميثاق الوطني الجنوبي الذي صاغ الرؤية والهدف المشترك، رابطًا العمل الوطني برباط عقائدي صلب، لا تنال منه سكاكين الطعن في الظهر. لقد كان الرد الجنوبي هو تعزيز الجبهة الداخلية عوضًا عن تمزيقها، وصهر المكونات في بوتقة وطنية جامعة، لا إذكاء نيران القبيلة والمنطقة تحت مطالب استعادة الدولة المنشودة.

غير أن اللحظة الفارقة التي أيقظت غضب الرياض الكامن، كانت حين انتقل المجلس الانتقالي من مرحلة الصمود والدفاع عن وجوده، إلى مرحلة المبادرة والهجوم الاستراتيجي. فبعد أن يئست الرياض من خلق شقاق في الصف الجنوبي، ووجدت أن حرب الخدمات وتفكيك الوحدة الوطنية التي أوقدت نارها عبر خلق عوازل قبلية خانقة في حضرموت وغيرها لم تُجدِ نفعًا، أقدم المجلس على خطوة اعتبرتها الرياض تجاوزًا للخطوط الحمراء، هدف من خلالها إلى تعزيز حضور السلطات المحلية في حضرموت، ومكافحة الإرهاب والمخدرات التي تنخر جسد المحافظات الشرقية، وتحويل مناطق الجنوب من ساحة عبث سياسي واقتصادي إلى كتلة جغرافية صلبة تتكامل فيها الرؤية السياسية التحررية مع السيطرة الجغرافية. وبمجرد أن اتخذ المجلس تلك الخطوات، بموافقة أربعة أعضاء من مجلس القيادة الرئاسي نفسه، انكشف المستور.

هنا، وفي هذا المنعطف تحديدًا، باتت الرياض ترى أن كل ما بنته على مدى سنوات من عوازل رادعة ينهار أمام زحف المشروع الوطني الجنوبي الهادئ والممنهج، وأدركت أن الأمر لم يعد مجرد كيان سياسي يمكن احتواؤه أو ترويضه، بل دولة في طور التشكل، تمتلك إرادة القرار العسكري، وتفرض هيبة القانون، وتضرب بيد من حديد على أوكار الإرهاب وتجار المخدرات والمخربين الذين طالما استخدمتهم الرياض كأوراق ضغط. وهكذا، وتحت ذرائع واهية لا تمت للسرديات المعلنة بصلة، جاء القرار السعودي باستهداف قوات المجلس الانتقالي، في محاولة يائسة لقطع الطريق على هذا التكامل المصيري بين الرؤية السياسية والتحرير الجغرافي، وتتابعت الأحداث إلى عزل اثنين من أعضاء المجلس الرئاسي، وهما رئيس المجلس الانتقالي ونائبه، ومحاولة شيطنة جهودهم الوطنية، والعمل على حل المجلس الانتقالي تحت التهديد.

فلماذا هذا الإصرار؟ الإجابة تكمن في هندسة النفوذ؛ لأن عودة دولة الجنوب، بأرضها وموانئها وجزرها وثرواتها، تعني إعادة رسم خريطة المصالح الإقليمية. فاستعادة دولة فيدرالية عربية كاملة السيادة على مضيق باب المندب وخليج عدن، لا يمكن أن تكون مجرد تابع يدور في فلك الوصاية، ولا مخزنًا للقواعد العسكرية المجانية دون مقابل سيادي. ومن هنا، فالجنوب الذي ينهض اليوم لا يحمل عداءً للرياض، لكنه يحمل مشروعًا لا يقبل القسمة على وصايتين. ولأن الرياض راهنت على فوضى خلاقة تمكنها من إدارة التفاصيل الصغيرة، فإن أي كيان يمتلك إرادة توحيد الجنوب ونزع فتيل الفوضى، يصبح تلقائيًا خصمًا استراتيجيًا، لا لشيء إلا لأنه يفرض منطق الدولة على منطق الاستتباع.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد مناوشة عسكرية أو سوء فهم دبلوماسي، بل هو مكاشفة عن جوهر الصراع؛ الصراع الذي تجلى بين إرادة شعب قرر أن يستعيد وطنه المسلوب، ومشروع إقليمي يصر على إبقاء هذا الوطن ساحة مستباحة. من هنا خرج المجلس الانتقالي منتصرًا من معارك الاحتواء والاستنزاف والاختراق، وهو اليوم يواجه معركة الإلغاء العسكري باليقين نفسه الذي حمله شعب الجنوب منذ الوهلة الأولى. فأبناء الجنوب، الذين خبروا غدر السلاح وخيانة الوعود، يعرفون أن السيادة لا تُوهب، بل تنتزع من بين أنياب المصالح المتناقضة. وفي أفق الجنوب البعيد، ثمة فجر لا بد آتٍ، حتى لو احترقت كل المصابيح على الطريق.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى