اخبــار محليــةالرئيسيــة

الدعم السعودي الكاذب وتكريس المعاناة المفتعلة في الصيف اللاهب

المدارة
الخميس – 02 يوليو 2026/ حافظ الشجيفي

تتراءى في تفاصيل المشهد المعاش على امتداد جغرافية الجنوب وحواضره الكبرى في عدن وحضرموت مفارقة صارخة تفضح تهافت الروايات الرسمية وتكشف عن عمق المأساة التي يكابدها المواطن المطحون تحت وطأة صيف لاهب لا يرحم، حيث تصر المطابخ السياسية وصناع القرار على تدوير حزمة من الذرائع الواهية والمبررات المستهلكة التي سئم الشعب سماعها على مدى السنوات الماضية لتبرير انقطاع التيار الكهربائي وفترات الظلام الدامس التي تحيل حياة الملايين إلى جحيم لا يطاق، إذ يسوقون تارة فرية شحة الوقود ونفاده وتارة أخرى يتذرعون بالتقطعات القبلية التي تعترض طريق القواطر وحاملات النفط في المنعطفات والطرقات الطويلة القادمة من حقول حضرموت والمهرة، ثم ينتقلون بسلاسة مريبة إلى إلقاء اللائمة على تأخر وصول البواخر المستوردة من الخارج في عرض البحر أو الحديث المتكرر عن قيام شبكات المتنفذين وهوامير الفساد بتهريب مخصصات المحطات التوليدية وبيعها جهارا نهارا في السوق السوداء للاثراء غير المشروع، دون غض الطرف عن نغمة عجز مؤسسة الكهرباء عن تسديد مستحقات الموردين وقيمة الشحنات المستوردة، وهي في مجملها ومنتوجها النهائي لا تعدو كونها غطاء مكشوفا وستارا مهترئا يراد منه حجب الحقيقة الساطعة المتمثلة في التوظيف السياسي الخبيث لمعاناة الناس واستخدام حاجة المواطن الأساسية إلى الطاقة كأداة ضغط قذرة وورقة مساومة خاسرة في بازار الصراعات الإقليمية والمحلية لتركيع الشارع وإخضاعه تحت وطأة الحاجة والإنهاك الوجودي والجسدي واليومي الفظيع.
ولعل المثير للدهشة ومبعث السخرية السوداء في آن معا يكمن في أننا لم نسمع يوما، لا في غرف التخطيط ولا في تصريحات المسؤولين، أن أزمة انقطاع التيار الكهربائي المزمنة والمستفحلة التي يعاني منها المواطن الجنوبي ناتجة عن خلل تقني أو قصور بنيوي في محطات التوليد نفسها أو عجز في قدرتها الاستيعابية على تغذية المدن والمحافظات، بل تنبري السلطات الحاكمة منذ مطلع هذا العام بالتحديد وبشكل تصاعدي محموم لعزف السيمفونية ذاتها مرجعة تفاقم ساعات الانقطاع الطويلة في عدن وحضرموت إلى نقص المادة المشغلة وشحة الديزل والمازوت والنفط الخام، والمفارقة الدامغة هنا تتجلى في كون الأرض التي يقف عليها هؤلاء المواطنون المعذبون، وتحديدا في هضاب حضرموت ورمال شبوة، تعوم على بحيرات من النفط والغاز وتنتج حقولها الوقود بكميات تجارية هائلة وضخمة تكفي لإضاءة بلدان بأكملها دون أن تكلف ميزانية الدولة درهما واحدا أو ترهق كاهل الاقتصاد المثخن بالجراح، مما يضع علامات استفهام كبرى حول الوجهة الحقيقية لهذه الثروات المنهوبة والجهة الفاعلة التي تحرم أصحاب الأرض من أبسط حقوقهم المشروعة في العيش الكريم وتدفعهم نحو أتون معاناة مفتعلة لا مبرر لها على الإطلاق سوى الرغبة في تمرير أجندات مشبوهة وتطويع الإرادة الشعبية الحية .
وفي سياق هذه اللعبة السياسية المكشوفة تدخل المملكة العربية السعودية على خط الأزمة من بوابة تقديم الدعم والمساعدات لتعلن بتبجح كبير عن تزويد محطات الكهرباء بقطع غيار ومعدات تقنية وفنية تحت لافتة تخفيف معاناة المواطن ومساعدته على مواجهة لفحات الصيف القاتل، في خطوة هزلية تعكس قمة المغالطة والاستخفاف بالعقول والالتفاف على أصل المشكلة وجوهرها الحقيقي، فما جدوى إضافة محطات توليد جديدة أو ترميم القديم منها وصيانتها تقنيا وفنيا إذا كانت الأزمة من ألفها إلى يائها تتعلق بانعدام الوقود المخصص للتشغيل وليس بضعف المولدات أو رداءة الشبكات، وكيف يمكن لهذا الدعم الفني المزعوم أن يقدم حلولا عملية للمواطن الذي يرى محطات الكهرباء قائمة وشامخة ومجهزة لكنها تقف مشلولة وعاجزة عن الدوران بسبب شح الوقود المتعمد والممنهج، والواقع يشير بوضوح لا لبس فيه إلى أن مقاربة الرياض لهذه الكارثة تشبه تماما محاولة علاج مريض مصاب بالسرطان عبر إعطائه أقراص منع الحمل، وهي مقاربة تجمع بين الجهل والتعمية والمراوغة المفضوحة لتبرير محاولات تركيع الناس وارغامهم على القبول بمشاريع سياسية يرفضونها اصلا..
حيث تسعى السعودية من خلال هذا الإخراج الهزيل والبروباغندا الإعلامية المصاحبة له إلى إيهام الرأي العام المحلي بأن أزمة الكهرباء المستعصية التي تطحن عدن والجنوب هي أزمة طبيعية وفنية بحتة ونابعة من ظروف موضوعية وليست حربا خدماتية قذرة ومفتعلة بدقة متناهية لتحقيق مكاسب سياسية والسيطرة على مفاصل القرار، في محاولة منها عبر هذه الشحنات من قطع الغيار والمولدات إظهار حرصها الإنساني وشعورها العالي بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الشعب الجنوبي والضحك على ذقون البسطاء من خلال إشغالهم بتفاصيل الصيانة والحلول الترقيعية، بينما يدرك الجميع أن هذا الدعم لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يلامس جذور المعضلة التي تكمن ببساطة في غياب الإرادة السياسية لإيجاد حل جذري مستدام والامتناع المتعمد عن تسييل ثروات حضرموت وشبوة النفطية لصالح تشغيل المرافق الخدمية، مما يؤكد للقاصي والداني أننا أمام مسرحية سياسية سيئة الإخراج تهدف إلى استمرار الحصار الخدمي المفروض على المواطنين لابقائهم في دائرة البحث اليومي المضني عن قطرة ماء باردة أو نسمة هواء عليلة في زمن باتت فيه الخدمات الأساسية سلاحا سياسيا بيد القوى المهيمنة لفرض التنازلات السياسية على حساب كرامة الإنسان وحقوقه المشروعة والمكفولة دوليا وإنسانيا.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى