في الذكرى الـ55 لتأسيسه.. شعب الجنوب يُجدد العهد لقواته المسلحة في مليونية الوفاء

الجمعة 28 أغسطس 2026 م
المدارة – تقرير / محمد بازماله
تتهيأ المحافظات الجنوبية لحدث تاريخي واستثنائي يُجسد أبهى صور التلاحم بين الشعب ودرعه الحصين، حيث تتجه أنظار الملايين من أبناء الجنوب العربي نحو ساحات الحرية للمشاركة في المليونية الحاشدة التي دعا إليها المجلس الانتقالي الجنوبي، برئاسة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، احتفاءً بالذكرى الـ55 لتأسيس الجيش الجنوبي الباسل.
تأتي هذه الدعوة للائتلاف الجماهيري الحاشد تلبيةً لنداء الواجب الوطني، وتأكيدًا على الالتفاف الشعبي غير المحدود حول القيادة السياسية والعسكرية، وإبرازًا لأهمية المنجز التاريخي الذي مثّله تأسيس هذه المؤسسة الوطنية العريقة، والتي تشكل صمام الأمان والضامن الأساسي لحماية الأرض والإنسان، وحفظ مكتسبات النضال الجنوبي التليد.
في إطار الترتيبات الجارية لاستقبال هذا الحدث الوطني الكبير، تكثف اللجنة العسكرية التحضيرية المكونة من الهيئة العسكرية العليا للجيش الجنوبي وجمعية المتقاعدين العسكريين والأمنيين والمدنيين جهودها التنظيمية والإعلامية واللوجستية لضمان نجاح المليونية.
وتُشكل هذه المناسبة محطة استثنائية لتوثيق تاريخ المؤسسة العسكرية الجنوبية، واستحضار محطاتها الوطنية وتعزيز الوعي الجمعي بالخطوات النضالية والتضحيات الجسام التي قدمها منتسبو هذه المؤسسة عبر مختلف المراحل التاريخية، مع التأكيد الصارم على أن المساس بالقوات المسلحة الجنوبية يُعد خطًا أحمر لا يمكن التهاون معه.
تُشكل القوات المسلحة الجنوبية الحالية الامتداد التاريخي والشرعي للجيش الجنوبي السابق، الذي عُرف باحترافيته، وانضباطه العالي، وعقيدته القتالية الوطنية. فمنذ تأسيسه قبل خمسة وخمسين عامًا، ظل هذا الجيش رمزًا للمجد والكرامة ومصدر فخر واعتزاز لكل أبناء الجنوب.
ولم تقتصر أدوار الجيش الجنوبي عبر التاريخ على حماية الحدود الوطنية فحسب، بل امتدت لتشمل مواقف قومية وعربية مشرفة حُفرت في ذاكرة التاريخ حيث أسهم الجيش الجنوبي بفاعلية في تحقيق انتصار الأمة العربية من خلال إغلاق مضيق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية لمدة 20 يومًا، مما شكل ضغطًا استراتيجيًا حاسمًا.
كما وقفت دولة الجنوب بصلابة إلى جانب الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة المناضل الراحل ياسر عرفات وقدمت الدعم العسكري والسياسي واللوجستي.
كان الجنوب ركن أساسي في الجبهة الرافضة لمشاريع التصفية والتطبيع إلى جانب ليبيا والجزائر والعراق وسوريا ومنظمة التحرير ، حينها أرسلت دولة الجنوب لواءً عسكريًا متكاملًا إلى ليبيا للمساهمة في الدفاع عن أراضيها وشعبها عامي 1978 و1982 كما شارك المقاتلون الجنوبيون في لبنان عام 1982 لصد العدوان الإسرائيلي.
وقفت دولة الجنوب بوضوح وحزم إلى جانب دولة الكويت الشقيقة أثناء الغزو العراقي عام 1990 وخرجت المسيرات الحاشدة في عدن تنديدًا بالاحتلال، في موقف ناقض تمامًا موقف صنعاء الداعم للغزو.
ظل الجنوب بموقعه الجغرافي الاستراتيجي الممتد على طول بحر العرب والبحر الأحمر وخليج عدن، لاعبًا محوريًا في تدعيم الاستقرار الإقليمي والدولي. فعلى مدى عقود، أمنت القوات البحرية الجنوبية الممرات المائية والتجارة العالمية، ولم تشهد المنطقة أي حوادث قرصنة أو تهديد للطاقة طوال فترة سيادة الجيش الجنوبي.
ولهذا الموقع والدور الاستراتيجي، كان الجنوب ومؤسساته هدفًا مستمرًا للتنظيمات الإرهابية التي وظفتها القوى الاحتلالية اليمنية كوسيلة للغزو والتركيع. ومع استعادة بناء المؤسسة العسكرية، أثبتت القوات المسلحة الجنوبية مجددًا أنها الشريك الموثوق والمقتدر للإقليم والعالم في مواجهة التهديدات؛ حيث سُجلت نجاحات ميدانية كاسحة في تطهير المحافظات الجنوبية من أفيال التنظيمات الإرهابية (القاعدة وداعش)، وصادرت مخططاتها التي استهدفت الأمن القومي والإقليمي.
عقب حرب صيف 1994 الظالمة، تعرض الجيش الجنوبي لمؤامرات تصفية وتفكيك ممنهجة، وتم تجريف كوادره وتسريح قادته. غير أن روح المقاومة لم تنطفئ؛ فبرز الدور التاريخي للرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، الذي قاد الانتفاضة العسكرية والمقاومة الوطنية ضد القوى الغازية.
أسس الرئيس القائد حراك حركة تقرير المصير ( حتم ) كجناح عسكري شكل النواة الأولى للمقاومة الجنوبية المسلحة. ومن رحم هذه الحركة، حرص القائد على تكريس جهوده لتدريب الكتائب وتنظيم الصفوف، لتبدأ مرحلة إعادة بناء القوات المسلحة الجنوبية على أسس علمية ووطنية حديثة.
مع انطلاق المعارك ضد الميليشيات الحوثية الإرهابية وقوى النفوذ الزيدي، تحولت كتائب المقاومة الجنوبية إلى تشكيلات عسكرية نظامية ضاربة، استطاعت تحرير معظم أراضي الجنوب، ودحر الميليشيات الإرهابية على كافة الجبهات، مستندة إلى دعم أخوي واستراتيجي كبير قدمته دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي كان لدعمها اللوجستي والعسكري والميداني الأثر البالغ في إرساء دعائم الاستقرار وتمكين المنظومة العسكرية الجنوبية.
إن النجاحات العسكرية النادرة التي حققها الجيش الجنوبي تُوجت بدماء زكية وطاهرة قدمها أبطال الجنوب في سبيل الحرية والكرامة. غير أن هذا الصمود والنجاح واجهه الأعداء بالغدر والخيانات الدنيئة.
وفي هذا السياق، يتذكر شعب الجنوب ببالغ الحرقة والغضب المؤامرات التي استهدفت أبطال القوات المسلحة، بما في ذلك الأدوار الغادرة والتآمرية التي طالت منتسبي المؤسسة العسكرية والشهداء الغدر، كشهداء “عملية المستقبل الواعد” الذين اغتالتهم أيادي التآمر والخيانة النافذة.
بعد مرور أحد عشر عامًا على انطلاق مسيرة إعادة التأسيس و55 عامًا على التأسيس الأول، يقف الجيش الجنوبي اليوم في أعلى درجات الجاهزية والاستعداد، أقوى شكيمة وأشد عزيمة على تطهير ما تبقى من ربوع الوطن، والتصدي لميليشيات الحوثي والفلول الإرهابية المدعومة من صنعاء.
إن الدعوة الموجهة لكافة أبناء شعب الجنوب العربي العظيم للاحتشاد الجماهيري الواسع في العاصمة عدن، هي تأكيد حاسم على أن الشعب هو الظهير الصلب لجيشه، وأن القوات المسلحة والأمن هي أعظم المكتسبات الوطنية التي تحققت بقيادة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي.
لتكن مليونية تأسيس الجيش الجنوبي الـ55 رسالة لكل العالم: الجنوب يدٌ تبني جيشًا وطنيًا لحماية أراضيه والملاحة الدولية، ويدٌ تذود عن الكرامة والمكتسبات الوطنية ولا تتراجع عن هدف الاستقلال وبناء الدولة الفيدرالية الحديثة.


