تقـــارير

عقود المعلمين تشعل احتجاجات حضرموت وتهدد استقرار التعليم

تقرير: مريم بارحمة

أشعلت أزمة عقود المعلمين والمعلمات المتعاقدين في ساحل حضرموت موجة احتجاجات متصاعدة خلال الأيام الماضية، بعدما تحولت الخلافات حول تجديد العقود والمستحقات والحوافز إلى أزمة تعليمية امتدت من المدارس إلى الشارع، ودفعت المعلمين والطلاب وأولياء الأمور إلى تنظيم وقفات ومسيرات تطالب بمعالجة الملف وإعادة انتظام الدراسة.

وبحسب تقارير محلية منشورة في 21 و22 سبتمبر 2026م، شهدت مدينة المكلا ومناطق أخرى في ساحل حضرموت تحركات احتجاجية شارك فيها معلمون ومعلمات وطلاب وأولياء أمور، اعتراضاً على إجراءات استبعاد وإنهاء عقود متعاقدين، وعلى استمرار تعطل الدراسة في عدد من المدارس.

 

ولم تعد القضية بالنسبة للمتعاقدات مجرد مسألة تجديد عقد سنوي؛ فالعقد يمثل بالنسبة إلى كثير من المعلمات مصدر دخل واستمراراً مهنياً بعد سنوات من العمل داخل المدارس، في ظل غياب الاستقرار الوظيفي الذي ظل أحد أبرز الإشكالات المرتبطة بملف التعاقد في حضرموت.

 

 

_….

 

من العقد المؤقت إلى سنوات من الخدمة

 

تعود جذور ملف المعلمين المتعاقدين في حضرموت إلى سنوات مضت، حين توسع الاعتماد على التعاقد لتغطية النقص في الكادر التعليمي، في ظل التقاعد وافتتاح مدارس جديدة وتوقف التوظيف الحكومي على نطاق واسع.

 

وتشير دراسة علمية إلى أن التعاقد أصبح آلية واسعة الاستخدام لتغطية الاحتياج التعليمي، وأن العملية شملت أعداداً كبيرة من المعلمين والمعلمات. ووثقت الدراسة وجود متعاقدات يعملن في مدارس البنات، بما في ذلك حالات كان فيها عدد المعلمات المتعاقدات يفوق عدد المعلمات الرسميات.

 

وتكشف هذه الخلفية أن المتعاقدات لم يكنّ حضوراً طارئاً في المدارس، بل أصبحن جزءاً من القوة التعليمية التي تعتمد عليها مدارس عديدة في استمرار الدراسة.

 

ومن هنا، فإن إنهاء العقود أو عدم تجديدها لا ينعكس على المعلمة وحدها، بل يفتح سؤالاً موازياً حول قدرة المدارس على تعويض الكادر الذي يغادر، خصوصاً في ظل استمرار الاحتياج إلى المعلمين والمعلمات.

 

 

_المعلمات في قلب الأزمة

 

برز صوت المعلمات المتعاقدات خلال الاحتجاجات الأخيرة من خلال المطالبة بحقوقهن، وتجديد العقود، والحصول على أوضاع تعاقدية أكثر استقراراً وعدالة.

 

وفي إحدى المواد المصورة التي تداولتها وسائل إعلام محلية، ظهرت معلمة متعاقدة وهي تطالب بحقوق المتعاقدين وبعقود عادلة، في انعكاس مباشر لمطلب شريحة من العاملات في الميدان التربوي.

 

وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة في ظل ما وثقته تقارير سابقة عن هشاشة الوضع الوظيفي للمتعاقدين في حضرموت، وعدم وضوح بعض إجراءات التعاقد، ومشكلات مرتبطة بالمستحقات والحوافز واحتساب سنوات الخدمة.

 

وفي أبريل 2026م، نقل تقرير صحفي عن معلمة متعاقدة في المكلا قولها إنها أمضت ثماني سنوات في الخدمة من دون أن تحصل على أمان وظيفي، وأن دخلها لا يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية. ويعكس هذا التصريح، الذي ينبغي التعامل معه بوصفه شهادة ، جانباً من الظروف الاقتصادية التي يواجهها بعض المتعاقدين والمتعاقدات.

 

 

_خروج القضية من المدرسة إلى الشارع

 

بلغ الاحتقان ذروته مع اتساع الاحتجاجات في المكلا ومناطق ساحل حضرموت.

 

وشارك أولياء أمور وطلاب في وقفات ومسيرات تضامناً مع المعلمين المتعاقدين، في ما شهدت مناطق مثل فوة وروكب وبويش تحركات تطالب بإنهاء أزمة توقف التعليم وإعادة المعلمين إلى مدارسهم.

 

وخرجت طالبات في فوة القديمة في مسيرة للمطالبة بإعادة المعلمين المتعاقدين واستئناف الدراسة، في.حين شهدت مناطق أخرى تحركات طلابية وأهلية مماثلة.

 

وتظهر هذه التحركات أن الأزمة لم تعد محصورة بين النقابة ومكتب التربية، إذ أصبح أولياء الأمور والطلاب طرفاً متأثراً مباشرة باستمرار الخلاف، خصوصاً مع تعطّل الدروس وتراجع انتظام العملية التعليمية.

 

 

_المعلمون يطالبون.. والطلاب ينتظرون

 

ارتبطت أزمة العقود بإضراب نقابي شمل مطالب تتعلق بالمستحقات والحوافز وتجديد عقود المتعاقدين وتحسين أوضاع العاملين في القطاع التربوي.

 

وفي الوقت الذي تمسك فيه المعلمون بمطالبهم، وجد الطلاب أنفسهم أمام تداعيات مباشرة تمثلت في توقف الدراسة في عدد من المدارس، الأمر الذي دفع الأهالي إلى الاحتجاج والمطالبة بحل سريع يضمن عودة العملية التعليمية.

 

وتكشف الشعارات التي رفعتها الاحتجاجات عن انتقال القضية من مطلب وظيفي إلى قضية مجتمعية؛ فالمعلم يطالب باستقرار مصدر رزقه، والأسرة تطالب باستمرار تعليم أبنائها، والطلاب يطالبون بعودة معلميهم إلى الفصول.

 

 

_القضاء يدخل على خط الأزمة

 

لا يمكن فصل التطورات الحالية عن الحكم الصادر عن محكمة غرب المكلا الابتدائية في نوفمبر 2025م بشأن مطالب نقابة معلمي وتربويي ساحل حضرموت.

 

وبحسب نص الحكم المنشور في عدة مصادر، قضت المحكمة بزيادة حوافز العاملين في القطاع التربوي بنسبة لا تقل عن 60% من الحوافز الحالية، ومراجعة الخانات التعاقدية الفائضة وغير الفعالة، إلى جانب بنود تتعلق بالمتعاقدين وحقوقهم وتسوياتهم الوظيفية. وورد في الحكم منع إلغاء عقود المتعاقدين بصورة تعسفية.

 

وأصبح تنفيذ هذه البنود جزءاً من النقاش الدائر بين النقابة والسلطة المحلية، خصوصاً أن الأزمة الأخيرة تزامنت مع مطالب المعلمين بالحوافز والمستحقات وتجديد العقود.

 

 

_اتفاق 22 سبتمبر يوقف التصعيد

 

وبعد أيام من الاحتجاجات والتوتر، أعلنت السلطة المحلية بمحافظة حضرموت ونقابة معلمي وتربويي ساحل حضرموت في 22 سبتمبر التوصل إلى اتفاق يقضي بتعليق الإضراب واستئناف الدراسة في مدارس مديريات الساحل اعتباراً من الخميس 24 سبتمبر 2026م.

 

ونص الاتفاق على إلغاء إشعارات الإيقاف التي تسلمها المتعاقدون، وتمكينهم من توقيع العقود وفق الضمانات المقدمة من السلطة المحلية، إلى جانب صرف حافز شهري بزيادة 60% عن الحافز السابق ابتداءً من سبتمبر 2026م، وفق ما ورد في الاتفاق.

 

كما تضمن الاتفاق ضمان حقوق وامتيازات المتعاقدين وفق الأنظمة والقوانين النافذة، واستمرار الحوار بشأن بقية الملفات المتعلقة بالقطاع التربوي.

 

ويمثل الاتفاق تحولاً مهماً في مسار الأزمة، لكنه ينقلها من مرحلة الاحتجاج إلى مرحلة الاختبار العملي: مدى تنفيذ البنود المتفق عليها، وضمان عودة المتعاقدين إلى أعمالهم، ومعالجة أسباب الخلاف التي أدت إلى التصعيد.

 

 

_أزمة المعلمات ليست منفصلة عن أزمة التعليم

 

تكشف أحداث سبتمبر أن قضية المعلمات المتعاقدات لا يمكن التعامل معها بمعزل عن أزمة التعليم الأوسع في حضرموت.

 

فالتعاقد جاء أساساً لسد احتياج المدارس، وأصبح مع مرور السنوات جزءاً من بنية العملية التعليمية.

وفي المقابل، ظل وضع المتعاقدين أقل استقراراً من الموظفين الرسميين، وهو ما خلق فجوة بين سنوات الخدمة وبين الضمان الوظيفي.

 

وتشير دراسة أجريت إلى أن ملف التعاقد في حضرموت عانى من إشكالات تتعلق بآليات التعاقد والمؤهلات والحوافز وغياب بعض الضمانات الإجرائية، الأمر الذي جعل المعالجة المؤقتة تتحول مع مرور الوقت إلى مشكلة قائمة بذاتها.

 

 

_حين تصبح المعلمة رقماً في عقد

 

تكمن حساسية الأزمة في أن المعلمة المتعاقدة لا تدخل الفصل باعتبارها “متعاقدة” فقط؛ فهي تؤدي وظيفة تعليمية يومية، وتتحمل مسؤولية طلاب وطالبات، وتراكم خبرة ميدانية قد تمتد لسنوات.

 

لكن بقاء وضعها مرتبطاً بعقد قابل للتجديد يجعل الاستقرار المهني مختلفاً عن سنوات الخدمة الفعلية.

 

وهنا يظهر جوهر القضية: كيف يمكن بناء تعليم مستقر يعتمد على كوادر لا تتمتع بالاستقرار نفسه؟

 

هذا السؤال لا يخص المعلمات وحدهن، لكنه يكتسب بعداً خاصاً في مدارس البنات، حيث يعتمد استمرار الدراسة في بعض المدارس على وجود معلمات متعاقدات إلى جانب المعلمات الرسميات.

 

 

_الاحتجاجات تكشف ما وراء ورقة العقد

 

لم تكن صور الاحتجاجات في المكلا مجرد مشاهد مرتبطة بإضراب مؤقت؛ فقد كشفت عن تراكم مطالب تتعلق بالعقود والحوافز والمستحقات وانتظام التعليم.

 

المعلمون طالبوا بحقوقهم، والمتعاقدون طالبوا بالحفاظ على عقودهم، والمعلمات طالبن بعقود أكثر عدالة واستقراراً، فيما خرج الطلاب وأولياء الأمور للمطالبة بعودة الدراسة.

 

وبذلك أصبحت المدرسة نفسها مساحة تتقاطع فيها المطالب الوظيفية مع الحق في التعليم.

 

 

_الاتفاق بداية المعالجة وليس نهايتها

 

توقف الإضراب وعودة الدراسة يمثلان خطوة لاحتواء التصعيد، لكن استمرار الهدوء سيظل مرتبطاً بتنفيذ الالتزامات المعلنة، خصوصاً ما يتعلق بإلغاء إشعارات الإيقاف وتمكين المتعاقدين من توقيع العقود وصرف الحوافز.

 

أما الملف الأوسع، فيحتاج إلى معالجة تتجاوز التجديد المؤقت للعقود، نحو آلية واضحة تحدد حقوق المتعاقدين، وتحتسب سنوات خدمتهم، وتتعامل مع الاحتياج الحقيقي للمدارس، وتمنح المعلمات والمعلمين مساراً مهنياً أكثر استقراراً.

 

لقد أظهرت احتجاجات المكلا أن المعلم ليس مجرد بند في كشف تعاقد، وأن المعلمة التي أمضت سنوات داخل الفصل ليست رقماً قابلاً للاستبدال بسهولة، وأن الطالب الذي خرج مطالباً بعودة معلمه يضع الجميع أمام حقيقة واحدة: استقرار التعليم يبدأ من استقرار المدرسة وكادرها.

 

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى