الجنوب مقبرة الغزاة.. أرضٌ كسرت أحلام البرتغاليين والعثمانيين والبريطانيين وواجهت أطماع الإمبراطورية الفارسية

المدارة | العاصمة عدن
لم يكن الجنوب العربي عبر التاريخ أرضاً مستباحة، ولم تكن جغرافيته الاستراتيجية وثرواته وموانئه المطلة على أهم الممرات البحرية في العالم مجرد إغراء للقوى الإمبراطورية الطامعة فحسب، بل كان أيضاً أرضاً للمقاومة والصمود، وساحةً شهدت محاولات متكررة للغزو والسيطرة، انتهت في محطات تاريخية عديدة بتراجع القوى الغازية أمام إرادة السكان المحليين وتمسكهم بأرضهم وهويتهم وحقهم في تقرير مصيرهم.
ومنذ قرون طويلة، ظل الجنوب العربي محط أنظار الإمبراطوريات والقوى البحرية الكبرى، نظراً لموقعه الاستراتيجي الذي يتحكم بواحد من أهم الممرات التجارية والبحرية في العالم، حيث شكّل ميناء عدن وسواحل حضرموت وشبوة والمهرة مراكز ذات أهمية اقتصادية وعسكرية، جعلت السيطرة عليها هدفاً متكرراً للقوى الإقليمية والدولية.
وكان البرتغاليون من أوائل القوى الأوروبية التي حاولت فرض نفوذها على الموانئ الجنوبية خلال القرن السادس عشر، في إطار سعيهم للسيطرة على طرق التجارة البحرية في المحيط الهندي والبحر الأحمر. وشهدت المنطقة تنافساً بحرياً وعسكرياً محتدماً، خصوصاً حول عدن والشحر، في ظل الصراع البرتغالي العثماني على النفوذ والممرات التجارية. ولم تكن تلك السواحل مجرد نقاط جغرافية عابرة، بل كانت مناطق ذات ثقل استراتيجي قاومت محاولات إخضاعها وتناوبت عليها القوى المتنافسة.
أما الإمبراطورية العثمانية، فقد حاولت بدورها بسط سيطرتها على اليمن والمناطق الساحلية الجنوبية، وتمكنت قواتها من دخول عدن عام 1538، قبل أن تواجه اضطرابات وانتفاضات محلية وتدخلات وصراعات متواصلة، وصولاً إلى انسحابها النهائي من اليمن عام 1918. وقد أثبتت التجربة التاريخية أن السيطرة العسكرية على الأرض لا تعني بالضرورة إخضاع إرادة أهلها أو ضمان استمرار النفوذ الإمبراطوري.
ثم جاءت الإمبراطورية البريطانية، التي دخلت عدن عام 1839، وجعلت منها قاعدة بحرية وعسكرية مهمة لحماية طرق تجارتها ومصالحها الممتدة نحو الهند. وامتد نفوذها لاحقاً إلى مناطق واسعة من الجنوب العربي عبر نظام المحميات والاتفاقيات مع الحكام المحليين.
لكن الوجود البريطاني، رغم ما امتلكته الإمبراطورية من قوة عسكرية وبحرية وإمكانات اقتصادية هائلة، لم ينجح في إخماد تطلعات الجنوبيين إلى الحرية والاستقلال. فقد تفجرت ثورة الرابع عشر من أكتوبر عام 1963، وامتدت المواجهات المسلحة والسياسية ضد الاستعمار البريطاني، حتى انتهى الحكم البريطاني ورحلت قواته في الثلاثين من نوفمبر عام 1967، معلنةً قيام دولة مستقلة في جنوب الجزيرة العربية.
وكان ذلك التحول التاريخي محطة مفصلية في مسيرة الجنوب، إذ أثبت أن الإمبراطوريات مهما بلغت قوتها لا تستطيع الاحتفاظ بأرض ترفض شعوبها الخضوع لسيطرتها إلى الأبد.
أما الإمبراطورية الفارسية، فتعود جذور حضورها في جنوب الجزيرة العربية إلى القرن السادس الميلادي، عندما تدخل الفرس الساسانيون في اليمن، عقب اضطرابات وصراعات داخلية، وأقاموا نفوذاً سياسياً وعسكرياً امتد إلى مناطق من جنوب الجزيرة. وقد ارتبط ذلك التدخل بطموحات استراتيجية للسيطرة على طرق التجارة والممرات البحرية، ولا سيما منطقة خليج عدن.
وفي العصر الحديث، عادت الأطماع الإيرانية إلى الواجهة من خلال النفوذ الإقليمي والتدخلات المرتبطة بمليشيا الحوثي، وما تمثله من تهديدات أمنية وعسكرية للمناطق الجنوبية وممرات الملاحة الدولية. وهي تطورات تختلف تاريخياً عن الاحتلال الفارسي القديم، لكنها تعيد إلى الواجهة أهمية الموقع الجنوبي في حسابات القوى الإقليمية.
إن استحضار هذه المحطات التاريخية لا يعني أن جميع تلك المواجهات كانت متطابقة أو أن كل إمبراطورية خاضت حرباً مباشرة مع الجنوب بمفهومه السياسي المعاصر، لكنه يكشف حقيقة تاريخية واضحة، وهي أن الجغرافيا الجنوبية ظلت على الدوام ساحة تنافس دولي، وأن أهل هذه الأرض خاضوا مراحل متعددة من المقاومة في مواجهة محاولات السيطرة والاستعمار.
واليوم، وبينما تتجدد التحديات الأمنية والسياسية والعسكرية، يبرز التاريخ باعتباره شاهداً على أهمية وحدة الصف الجنوبي، وتعزيز المؤسسات العسكرية والأمنية، وحماية الأرض والممرات البحرية والثروات الوطنية، بعيداً عن الانقسامات التي قد تمنح القوى الطامعة فرصة للتدخل أو فرض مشاريعها.
فالجنوب الذي شهد رحيل الإمبراطورية البريطانية، وعرف صراعات البرتغاليين والعثمانيين، وواجه امتدادات النفوذ الفارسي عبر مراحل تاريخية مختلفة، يظل أمام اختبار جديد عنوانه حماية أمنه واستقراره وصون إرادة أبنائه.
إن عبارة «الجنوب مقبرة الغزاة» ليست مجرد شعار يستحضر أمجاد الماضي، بل عنوان لذاكرة تاريخية ارتبطت بالمقاومة والتحرر ورفض الهيمنة، ورسالة بأن إرادة الشعوب وحقها في أرضها وهويتها لا يمكن اختزالهما في حسابات الإمبراطوريات أو صفقات المصالح الدولية.
فالجنوب العربي ليس مجرد موقع على خارطة الصراعات، بل أرض ذات تاريخ وهوية وإرث من النضال، وتبقى مسؤولية أبنائه اليوم أن يحولوا دروس التاريخ إلى قوة مؤسسية ووطنية تحمي حاضرهم وتصون مستقبل أجيالهم.
المصدر #بوابه_الجنوب




