خارطة الطريق.. سلام أم إعادة تمكين للحوثيين؟

المدارة
الخميس – 25 يونيو 2026
/تقرير خاص: مريم بارحمة
تشهد الساحة الجنوبية واليمنية والإقليمية منذ سنوات تحولات سياسية متسارعة أعادت تشكيل موازين القوى والتحالفات والاصطفافات التي نشأت مع انطلاق عمليات التحالف العربي عام 2015م. وفي خضم هذه التحولات، برزت حالة واسعة من الجدل داخل الأوساط السياسية الجنوبية بشأن طبيعة المسار الذي انتهجته المملكة العربية السعودية في التعامل مع ملف الحرب اليمنية، خصوصاً بعد تصاعد الحديث عن التفاهمات السياسية وخارطة الطريق المطروحة للتسوية مع جماعة الحوثي.
ويرى محللون سياسيون ومراقبون للشأن الجنوبي، إلى جانب ناشطين، أن التطورات الأخيرة كشفت عن تحول كبير في أولويات الرياض مقارنة بالأهداف التي أُعلن عنها عند انطلاق التحالف العربي، والمتمثلة في مواجهة المشروع الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب.
_ خارطة الطريق وتبدل الأولويات
وبحسب هذه القراءات السياسية، فإن خارطة الطريق وما سبقها من جولات تفاوض واتصالات غير معلنة بين السعودية والحوثيين منذ سنوات، أثارت تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقة الجديدة التي تشكلت بين الطرفين، وحول انعكاسات هذه التفاهمات على مستقبل الجنوب والقوى التي خاضت مواجهات عسكرية طويلة ضد الجماعة الحوثية.
ويرى مراقبون أن المشهد الحالي يختلف بصورة كبيرة عن الخطاب السياسي والإعلامي الذي ساد خلال السنوات الأولى للحرب، حيث انتقلت الأولوية من الحسم العسكري ومواجهة الحوثيين إلى البحث عن تسويات سياسية وأمنية تضمن تهدئة الحدود السعودية وتخفف الأعباء الأمنية والاقتصادية للحرب.
_ من المواجهة إلى التفاهمات السياسية
ويقول متابعون للشأن الجنوبي إن هذا التحول انعكس بشكل واضح في طبيعة الخطاب السياسي الإقليمي، وفي اللقاءات المتكررة التي جمعت مسؤولين سعوديين وقيادات حوثية خلال السنوات الماضية. وهي لقاءات كانت تُقدَّم باعتبارها جزءاً من جهود السلام، لكنها أثارت لدى قطاع واسع من الجنوبيين مخاوف من أن تتحول إلى مدخل لمنح الحوثيين مكاسب سياسية وسيادية واسعة.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن خارطة الطريق المطروحة لا تمثل مجرد إطار لإنهاء الحرب، بل تعكس إعادة صياغة كاملة للمشهد السياسي اليمني والجنوبي، بما يسمح للحوثيين بالانتقال من موقع الجماعة المسلحة إلى موقع الشريك السياسي المعترف به في أي ترتيبات مستقبلية.
_ غموض التفاهمات ومخاوف ما بعد الحرب
ويؤكد عدد من المراقبين أن هذه المخاوف تعززت نتيجة ما يعتبرونه غياباً للشفافية حول تفاصيل التفاهمات الجارية، وهو ما فتح الباب أمام الكثير من التساؤلات بشأن الملفات الاقتصادية والسياسية والعسكرية المرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب.
_ الثروات والموارد في قلب الجدل
ويشير ناشطون جنوبيون إلى أن أحد أبرز جوانب القلق يتمثل في ملف الثروات والموارد الاقتصادية، حيث يرون أن الإيرادات النفطية والغازية والموارد السيادية باتت تُطرح ضمن مسارات التسوية السياسية، بدلاً من توجيهها بصورة مباشرة لمعالجة الأزمات المعيشية والخدمية التي تعاني منها محافظات الجنوب.
وبحسب هذه الرؤية، فإن أي ترتيبات اقتصادية تمنح الحوثيين حصة من الموارد دون معالجة جذور الأزمة السياسية ستؤدي إلى تعزيز نفوذ الجماعة اقتصادياً وسياسياً، وستمنحها فرصة إضافية لترسيخ حضورها داخل المشهد اليمني.
_ تضحيات الجنوب بين الواقع والتسويات
ويرى محللون سياسيون أن التفاهمات السياسية الجارية جاءت على حساب القوى التي خاضت المواجهة العسكرية المباشرة مع الحوثيين طوال السنوات الماضية، وفي مقدمتها القوات المسلحة الجنوبية التي لعبت دوراً محورياً في تحرير مناطق واسعة من الجنوب وتأمينها.
ويؤكدون أن الجنوبيين قدموا آلاف الشهداء والجرحى خلال الحرب ضد الحوثيين، ولذلك فإن أي تسوية لا تأخذ بعين الاعتبار حجم تلك التضحيات ومطالب شعب الجنوب السياسية تمثل تجاوزاً للحقائق التي فرضتها الوقائع على الأرض.
ومن بين القضايا التي يثيرها ناشطون جنوبيون أيضاً استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية التي استهدفت القوات الجنوبية خلال السنوات الماضية، معتبرين أن هذه السياسات أسهمت في إضعاف القوى المناهضة للحوثيين بدلاً من تعزيزها.
_ انعكاسات التقارب الإقليمي على الملف الجنوبي
ويربط بعض المحللين بين هذه التطورات ومسار التفاهمات الإقليمية الأوسع التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة، بما في ذلك التقارب السعودي الإيراني، حيث يرون أن انعكاسات هذا التقارب ظهرت بوضوح في طريقة إدارة الملف اليمني وملف قضية الجنوب، وفي طبيعة العلاقة المستجدة مع الحوثيين.
ويؤكد هؤلاء أن التحولات الإقليمية دفعت الرياض إلى تبني مقاربة جديدة تقوم على إدارة المخاطر وتخفيف التوترات الأمنية، غير أن مراقبون يعتقدون أنها جاءت على حساب الأهداف التي أُعلن عنها في بداية الحرب.
_ قضية الجنوب خارج معادلة الشرعية والحوثي
يرى مراقبون أن حالة الجدل الواسعة التي رافقت الحديث عن خارطة الطريق تعكس وجود فجوة متزايدة بين الرؤية السعودية للحل وبين تطلعات الجنوبيين الذين ينظرون إلى قضية الجنوب باعتبارها قضية وطنية سياسية مستقلة عن الصراع بين الشرعية والحوثيين.
_ المجلس الانتقالي وحضور المعادلة الجنوبية
وبالنسبة للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي، يرى متابعون للشأن الجنوبي أن التطورات الأخيرة تؤكد صحة مواقفه السابقة التي حذرت من خطورة تجاهل قضية الجنوب أو محاولة إدراجها ضمن تسويات لا تعبر عن إرادة شعب الجنوب.
ويؤكد محللون سياسيون أن المجلس الانتقالي الجنوبي أصبح اليوم يمثل الفاعل السياسي والعسكري الأكثر حضوراً في الجنوب، وأن أي ترتيبات مستقبلية لا يمكن أن تنجح دون إشراكه بوصفه ممثلاً رئيسياً لقضية الجنوب ومصالح شعبه، كونه الحامل السياسي والممثل الشرعي لقضية الجنوب وصاحب الحضور الشعبي والسياسي الأبرز على الساحة الجنوبية.
_ مستقبل التسوية ومصير قضية الجنوب
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستشهد تصاعداً في الجدل السياسي حول مستقبل خارطة الطريق، خصوصاً مع استمرار المخاوف من أن تؤدي بعض التفاهمات إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من حلها، أو إلى منح الحوثيين مكاسب استراتيجية لا تتناسب مع حجم التضحيات التي قدمتها القوات المسلحة الجنوبية.
ويخلص مراقبون للشأن الجنوبي إلى أن النقاش الدائر اليوم لم يعد مقتصراً على تفاصيل التسوية السياسية فحسب، بل أصبح يتعلق بمستقبل التوازنات الإقليمية وشكل الدولة القادمة ومصير قضية الجنوب نفسها.
_ الجنوب رقم صعب في معادلة المستقبل
او
وفي ظل هذه المعطيات، يؤكد ناشطون جنوبيون إن الحفاظ على المكتسبات السياسية والعسكرية الجنوبية يتطلب موقفاً موحداً وقادراً على مواجهة أي ترتيبات لا تراعي تطلعات أبناء الجنوب، مؤكدين أن الجنوب بات رقماً صعباً في المعادلة السياسية والعسكرية، وأن أي تسوية مستقبلية لن تكون قابلة للحياة ما لم تأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار.
وبينما تتواصل المشاورات والتحركات السياسية على المستويين الإقليمي والدولي، يبقى الجدل مفتوحاً حول ما إذا كانت خارطة الطريق ستقود فعلاً إلى سلام دائم، أم أنها تمثل بداية مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ والمصالح في الجنوب واليمن والمنطقة، وهي مرحلة ستحدد نتائجها مستقبل الجنوب ومسار قضيته خلال السنوات المقبلة.

