اخبــار محليــة

من «خطة تحرير صنعاء» إلى قصف القوات الجنوبية

(المدارة) 4 مايو – خاص

تفتح التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها محافظات الجنوب، ولا سيما حضرموت والمهرة والضالع ، ملفاً بالغ الحساسية حول مصير خطة عسكرية كان يفترض، وفق متابعين للشأنين الأمني والعسكري في الجنوب، أن تنقل ثقل المعركة من الجنوب إلى جبهات الحوثيين في الشمال، قبل أن تنقلب المعادلة باتجاه استهداف القوات الجنوبية نفسها.

ويؤكد هؤلاء المتابعون أن جماعة الإخوان المسلمين و«اللجنة الخاصة السعودية» كانتا، بحسب قراءتهم للأحداث، وراء إفشال الخطة العسكرية وغرفة العمليات الموحدة التي جرى تأسيسها بالتنسيق بين المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات المقاومة الوطنية في الساحل الغربي وبدعم من دولة الإمارات وبتنسيق دولي .

وبحسب المعلومات التي يستند إليها المتابعون، فقد بدأت الخطة مطلع ديسمبر من العام الماضي، وشملت إعادة التموضع وترتيب مسرح العمليات في محافظتي حضرموت والمهرة، عبر نشر القوات المسلحة الجنوبية في مدن وصحراء وادي حضرموت والمهرة، في خطوة قالوا إنها استهدفت قطع خطوط عمليات تهريب الوقود والأسلحة التي تنفذها عصابات وخلايا حوثية وإخوانية.

*المهرة وحضرموت.. الجبهة الخلفية التي كان يفترض أن تفتح الطريق إلى صنعاء*

لم تكن عملية الانتشار، وفق هذه الرواية، مجرد تحرك عسكري لتأمين مناطق جنوبية، بل جزءاً من تصور أوسع لإعادة ترتيب مسرح العمليات المشتركة ، فقد عملت القوات المسلحة الجنوبية، بحسب المتابعين، على تأمين المنافذ البرية والبحرية والطرقات الرئيسية في وادي وصحراء حضرموت والمهرة، وترتيب مسرح العمليات العسكرية بما يضمن تأمين الجبهة الداخلية والخلفية، تمهيداً لتنفيذ الخطة العسكرية التي كان يفترض أن تنتقل بموجبها القوات الجنوبية لمساندة المقاومة الوطنية الشمالية في الساحل الغربي.

وتقول الرواية إن المرحلة التالية من الخطة كانت تقضي بتحريك القوات المسلحة الجنوبية إلى عدة جبهات من اتجاه مأرب والبيضاء والضالع وبقية الجبهات ، بعد تأمين الجبهة الجنوبية والخلفية في حضرموت والمهرة، بما يسمح للقوات الجنوبية بالتقدم نحو مواقع الحوثيين وتحقيق انتصارات على مليشياتهم وصولاً إلى تحرير صنعاء .

ويضع المتابعون هذه الخطة في سياق حالة الجمود التي أصابت جبهات مأرب وتعز خلال السنوات الماضية ، والتي يقولون إن جماعة الإخوان رفضت خلالها تحريك قواتها وجبهاتها باتجاه الحوثيين، بينما كانت القوات الجنوبية، وفق الخطة العسكرية التي وضعها المجلس الانتقالي ، تستعد لفتح مسارات جديدة للمعركة.

*كيف انقلبت السعودية والشرعية الإخوانية على الخطة؟*

هنا تبدأ، بحسب المتابعين، الحلقة الأكثر إثارة للجدل.
فبدلاً من انتقال القوات الجنوبية من حضرموت والمهرة نحو جبهات الحوثيين، يقول هؤلاء إن جماعة الإخوان و«اللجنة الخاصة السعودية» عملتا على إفشال خطة إعادة الانتشار ومسرح العمليات، وتحويل اتجاه المعركة من الشمال إلى الجنوب.

وبحسب روايتهم، جرى الدفع بمليشيات الطوارئ الشمالية والقبائل في مأرب، إلى جانب ألوية درع الوطن المدعومة من السعودية، تحت غطاء جوي من الطيران السعودي، وتم قصف القوات المسلحة الجنوبية في وادي وصحراء حضرموت والمهرة والضالع.

ويعتبر المتابعون أن هذه التطورات لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل مثلت ، انقلاباً غادراً على مسار خطة عسكرية كانت تستهدف مواجهة الحوثيين، وتحولت بدلاً من ذلك إلى عمليات عسكرية استهدفت القوات الجنوبية و السيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة .

ويكتسب توقيت تلك العمليات العسكرية أهمية خاصة، وفق المتابعين، إذ يؤكدون أن القصف السعودي للقوات الجنوبية جاء في الوقت الذي كان فيه رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي اللواء عيدروس الزبيدي يعقد اجتماعات مع محافظي محافظات الشمال وممثلين عن المقاومة الشمالية لمناقشة تنفيذ الخطة العسكرية المساندة للمقاومة الوطنية الشمالية في تحرير محافظات الشمال من مليشيات الحوثي المدعومة من إيران.

ويرى هؤلاء أن قصف الطيران السعودي للقوات الجنوبية في تلك اللحظة تحديداً أجهض مساراً عسكرياً كان يجري التحضير له، ووضع القوات الجنوبية أمام معركة مختلفة تماماً عن المعركة التي كانت تستعد لخوضها.

ويصف المتابعون ما حدث بأنه «غدر» بالقوات الجنوبية، مشيرين إلى أن استهدافها جرى تحت مسميات ومبررات وصفوها بالواهية، وفي مقدمتها الحديث عن «تهديد الأمن القومي السعودي».

وبحسب هذه القراءة، فإن شعار «الأمن القومي السعودي» استخدم لعرقلة جهود المجلس الانتقالي وقواته المسلحة التي كان من المقرر أن تساند المقاومة الوطنية الشمالية في تحرير محافظات الشمال من الحوثيين ، حيث إن التوقيت الإيراني ـ السعودي.. سؤال آخر في الملف
ولا يتوقف الجدل عند الجانب العسكري، إذ يربط المتابعون بين هذه التطورات وبين مسار سياسي إقليمي متزامن.

ويشيرون إلى أن استهداف القوات الجنوبية تزامن مع التوقيع الإيراني ـ السعودي على خارطة الطريق للحل في الشمال مع الحوثيين، والتي تضمنت بنودها على منح الحوثيين نسبة 80% من ثروات الجنوب،
كما يعيدون التذكير بالاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الإيراني بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان قبل يومين من استهداف القوات الجنوبية في وادي حضرموت والمهرة.

وبحسب المتابعين، فقد اتفق الطرفان السعودي والإيراني، بالتنسيق مع سلطنة عُمان، على تسريع تنفيذ اتفاقية السلام وخارطة الطريق وإخراج قوات المجلس الانتقالي من المحافظات الشرقية، باعتبار أن سيطرة الانتقالي على حضرموت والمهرة، وفق روايتهم، كانت تمثل عائقاً أمام تنفيذ خارطة الطريق.
وهنا يطرح الملف سؤالاً سياسياً وعسكرياً كبيراً: هل كان إخراج القوات الجنوبية من حضرموت والمهرة جزءاً من إعادة ترتيب المشهد الإقليمي، أم أن الأمر كان مجرد تطور عسكري منفصل؟

*تصريح طارق صالح.. شهادة سياسية على وجود الخطة*

ومن أبرز المعطيات التي يستند إليها المتابعون في قراءتهم للأحداث ، تصريح قائد المقاومة الوطنية وعضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح في مطلع ديسمبر من العام الماضي.

فقد أعلن طارق صالح، أن سيطرة القوات الجنوبية على محافظتي المهرة وحضرموت كانت متفقاً عليها بهدف إعادة الانتشار وترتيب مسرح العمليات المشتركة الممتد من المهرة وحضرموت وصولاً إلى الساحل الغربي، وأن الهدف النهائي للخطة كان صنعاء.

ويرى المتابعون أن هذا التصريح يمثل مؤشراً مهماً على أن الانتشار العسكري في المحافظتين لم يكن تحركاً منفرداً، وإنما كان مرتبطاً بخطة عمليات أوسع تمتد جغرافياً من أقصى الشرق إلى الساحل الغربي.

لكن، وفق الرواية ذاتها، اصطدمت الخطة برفض «اللجنة الخاصة السعودية» وجماعة الإخوان ورئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وهو ما أدى، بحسب المتابعين، إلى إفشال خطة تحرير صنعاء، ثم تحويل القوات الجنوبية المنتشرة في وادي وصحراء حضرموت والمهرة إلى هدف عسكري.

*من قصف حضرموت إلى الضالع وملاحقة قيادة الانتقالي؟*

ولا يحصر المتابعون نتائج إفشال الخطة العسكرية في حضرموت والمهرة فقط، بل يشيرون إلى سلسلة من التطورات اللاحقة التي يرون أنها جاءت ضمن المسار ذاته ، فبحسب روايتهم، تعرضت القوات الجنوبية للقصف بالطيران السعودي، وسقط جراء تلك العمليات، وفق تقديراتهم، مئات الشهداء والجرحى، إضافة إلى قصف الضالع.

كما أشاروا إلى ملاحقة قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، ومحاولات حل المجلس، ووضع وفد الانتقالي المشارك في المفاوضات والحوار الجنوبي بالرياض تحت الإقامة الجبرية منذ يناير الماضي وحتى اليوم ، ويعتبر هؤلاء أن تسلسل هذه الأحداث ابتداءاّ من إفشال خطة الانتشار في محافظتي المهرة وحضرموت ، إلى استهداف القوات الجنوبية، ثم الضغط السياسي على قيادة الانتقالي يستدعي قراءة مترابطة لا تكتفي بالنظر إلى كل حادثة باعتبارها تطوراً منفصلاً.

*لماذا يُطلب من القوات الجنوبية اليوم خوض حرب جديدة ضد الحوثيين؟*

في ضوء ذلك، يرى المتابعون أن «اللجنة الخاصة السعودية» وجماعة الإخوان تحاولان اليوم دفع القوات الجنوبية للمشاركة في الحرب السعودية ضد الحوثيين، بعد ما فشلّت خارطة الطريق بين السعودية والحوثيين.

ويعتبرون أن المفارقة تكمن في أن القوات الجنوبية التي جرى استهدافها وقصفها والغدر بها عندما كانت، تستعد لمساندة المقاومة الوطنية الشمالية ضد الحوثيين، يُطلب منها اليوم المشاركة في حرب جديدة ضد الجماعة نفسها ، ويقول المتابعون إن هذا الطرح يصطدم برفض جنوبي واسع، لأن الجنوبيين، بحسب تعبيرهم، «جربوا الغدر» الذي تعرضوا له في يناير من جانب السعودية وأدواتها من جماعة الإخوان.

ومن هذا المنطلق، فإن الموقف الجنوبي لا يتعلق برفض مواجهة الحوثيين من حيث المبدأ، بقدر ما يتعلق برفض الدخول في معركة جديدة دون ضمانات، بعد تجربة سابقة انتهت، بحسب الرواية الجنوبية، باستهداف القوات المسلحة الجنوبية التي كانت قد رتبت جبهتها الداخلية والخلفية استعداداً للانتقال إلى جبهات الشمال.

*من كان المستفيد من إسقاط «خطة تحرير صنعاء»؟*

تضع هذه المعطيات المشهد أمام تساؤل أكثر تعقيداً من مجرد سؤال: لماذا اندلعت المواجهات في حضرموت والمهرة؟
فوفق رواية المتابعين، كانت هناك خطة لإعادة ترتيب مسرح عمليات مشترك يبدأ من المهرة وحضرموت ويمتد إلى الساحل الغربي، ويستهدف في نهايته صنعاء، وكانت القوات الجنوبية جزءاً أساسياً منها.

لكن الخطة العسكرية، بحسب الرواية نفسها، انتهت إلى استهداف السعودية بطيرانها الحربي القوات الجنوبية بدلاً من دفعها نحو الحوثيين، وتحولت محافظتي حضرموت والمهرة من قاعدة خلفية للعمليات إلى ساحة مواجهة جديدة، وانتشار للخلايا الحوثية والإرهابية فيما تعرضت الضالع للقصف، وتعرضت قيادة المجلس الانتقالي لضغوط سياسية، وصولاً إلى الحديث عن محاولة حل المجلس ووضع وفده في الرياض تحت الإقامة الجبرية وإغلاق مقراته وتفكيك قواته .

وبينما تحاول الأطراف الإقليمية إعادة ترتيب أوراق الحرب والسلام، يبقى السؤال الأكثر حساسية: إذا كانت القوات الجنوبية قد تعرضت للاستهداف والغدر عندما كانت تستعد لترتيب مسرح العمليات للتحرك نحو صنعاء، فما الذي تغير اليوم حتى يُطلب منها أن تخوض الحرب ذاتها إلى جانب من استهدفها بالأمس؟

هذا السؤال، في نظر المتابعين، هو مفتاح فهم الرفض الجنوبي الحالي، كما أنه يعيد فتح ملف الخطة العسكرية التي بدأت من حضرموت والمهرة وانتهت، إلى قصف القوات الجنوبية بدلاً من فتح الطريق أمامها نحو جبهات الحوثيين.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى