عدن أقوى من الصواريخ.. والجنوب عصيّ على الانكسار

المدارة
الخميس – 29 أكتوبر 2026/ تقرير/ مريم بارحمة
شهدت العاصمة عدن، الأربعاء 28 أكتوبر 2026م، تصعيدًا أمنيًا وعسكريًا تمثل في تجدد الاعتداءات الصاروخية على مطار عدن الدولي، بالتزامن مع إعلان الأجهزة الأمنية ضبط عناصر مرتبطة بخلايا تابعة لمليشيا الحوثيين في مديرية كريتر. وأعادت هذه التطورات ملف أمن العاصمة إلى صدارة المشهد، في ظل مخاوف من تداعيات استهداف المنشآت الحيوية واحتمالات وجود أنشطة داخلية تهدد الاستقرار.
وتزامن التصعيد مع تحركات رسمية لإصلاح الأضرار واستعادة نشاط المطار، فيما أكدت الهيئة الإدارية للجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي ضرورة توحيد الصفوف وتعزيز التنسيق بين المسارات السياسية والأمنية والعسكرية لمواجهة التحديات الراهنة.
وتكشف هذه التطورات عن تعدد جوانب التهديد الذي تواجهه الغاصمة عدن، بين اعتداءات تستهدف البنية التحتية، ومخاطر أمنية تستدعي التحقيق والمتابعة، وتداعيات تمس حركة الطيران ومصالح المواطنين، بما يفرض تعزيز الجاهزية المؤسسية وتنسيق الجهود لحماية العاصمة والجنوب العربي.
_مطار عدن في مرمى التصعيد الحوثي
أفادت وزارة النقل بأن مليشيا الحوثيين استهدفت مطار عدن الدولي مرتين خلال يوم الأربعاء بصواريخ باليستية، ليرتفع عدد الاعتداءات المعلنة إلى ستة خلال أيام، في تصعيد أثار مخاوف بشأن سلامة الملاحة الجوية واستمرارية عمل أحد أهم المرافق الحيوية في العاصمة عدن.
ولا تقتصر خطورة هذه الاعتداءات على الأضرار المادية التي تلحق بالمدرج أو المنشآت التابعة للمطار، بل تمتد إلى تهديد المسافرين وأطقم الطائرات والعاملين، وتعطيل حركة التنقل والخدمات المرتبطة بالنقل الجوي،
وترويع المواطنين القاطنين بالقرب من المطار، والطلبة في المدارس المجاورة له.
وأدانت وزارة النقل الاستهدافات المتكررة، محمّلة مليشيا الحوثيين المسؤولية عن تداعياتها، وداعية منظمة الطيران المدني والمجتمع الدولي إلى إدانة الاعتداءات والتحرك لوقفها. وحذرت من المخاطر التي تهدد سلامة الطيران المدني والجهود الإنسانية والإغاثية.
من جانبها، أدانت وزارة الأشغال العامة والطرق استهداف المطار، معتبرة أنه يكشف استمرار استهداف المرافق الخدمية والبنية التحتية.
سياسيًا، يفرض تكرار الاعتداءات التعامل مع حماية مطار عدن باعتبارها جزءًا أساسيًا من حماية الأمن والاستقرار في الجنوب العربي. فالمطار ليس مجرد منشأة للنقل، بل شريان حيوي يرتبط بحياة المواطنين، وحركة المسافرين، ووصول الخدمات والمساعدات، وقدرة العاصمة على التواصل مع الخارج.
ويضع هذا التصعيد الجهات المعنية أمام مسؤولية تعزيز إجراءات الحماية والتنسيق الأمني والفني، بالتوازي مع التحرك الدبلوماسي لإبراز المخاطر التي تهدد المنشآت المدنية والمطالبة بمواقف دولية واضحة تجاهها.
_اضطراب الرحلات يضاعف الأعباء على المواطنين
امتدت تداعيات القصف إلى حركة الطيران، بعدما أعلنت الخطوط الجوية اليمنية تحويل مسارات الرحلات القادمة إلى عدن عبر مطار جيبوتي، ثم إلى أحد المطارات الداخلية، بسبب الظروف الاستثنائية التي شهدها المطار.
وأوضحت الشركة أن الطائرات القادمة من جيبوتي إلى المطارات الداخلية ستتوجه لاحقًا إلى أحد المطارات الدولية للمبيت، مشيرة إلى احتمال تأجيل بعض الرحلات أو تعديل مواعيدها، وداعية المسافرين إلى تحديث أرقام هواتفهم لدى مكاتب الحجز لتلقي الإشعارات المتعلقة بالتغييرات.
وتعكس هذه الإجراءات الأثر المباشر للاعتداءات على حياة المواطنين، إذ يواجه المسافرون احتمالات التأخير وتغيير المسارات، إلى جانب الأعباء المالية والعملية الناتجة عن اضطراب الرحلات.
وتزداد أهمية انتظام حركة الطيران بالنسبة إلى المرضى الذين يحتاجون إلى السفر للعلاج، والطلاب والمغتربين، والعاملين في المجالات التجارية والإنسانية. كما أن استمرار التهديدات قد يرفع الضغوط على شركات الطيران والمؤسسات الخدمية، ويؤثر في قدرة المواطنين على التنقل بصورة طبيعية.
ومن هنا، فإن حماية المطار تتجاوز الاعتبارات الفنية إلى مسؤولية تتعلق باستمرارية الخدمات والمصالح العامة، الأمر الذي يستدعي تقييم الأضرار بدقة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان السلامة، وتقليل آثار أي اضطرابات لاحقة.
_ضبط خلايا مشتبه بارتباطها بالحوثيين يفتح ملف الاختراق الأمني
بالتزامن مع الاعتداءات الصاروخية، أعلنت الأجهزة الأمنية في العاصمة عدن ضبط عناصر مرتبطة بخلايا تابعة لمليشيا الحوثيين في مديرية كريتر، مشيرة إلى أن بعض المضبوطين أقروا بارتباطهم بالمليشيا، وأن هواتف بعضهم احتوت على صور ومعلومات لمواقع حيوية في العاصمة.
وأكدت الأجهزة الأمنية استمرار جهودها لرصد الأنشطة المشبوهة وملاحقة الخلايا المشتبه بارتباطها بالحوثيين، في خطوة تسلط الضوء على أهمية العمل الاستخباراتي في حماية المنشآت والمواقع الحيوية.
ويثير العثور على صور ومعلومات عن مواقع مهمة ضرورة التحقق من طبيعة هذه المواد، والأغراض التي جُمعت من أجلها، والجهات التي تقف وراء النشاط المشتبه به. ومع ذلك، تظل مسؤولية تحديد الوقائع النهائية من اختصاص جهات التحقيق والقضاء، وفق الأدلة والإجراءات القانونية.
وتبرز أهمية هذه القضية في أن حماية العاصمة عدن لا تقتصر على التعامل مع التهديدات العسكرية المباشرة، بل تشمل أيضًا كشف الأنشطة المشبوهة ومنع استغلال الثغرات الأمنية. ويتطلب ذلك تنسيقًا فعالًا بين الأجهزة المختصة، وتعاونًا مجتمعيًا مسؤولًا، ومتابعة قانونية تضمن محاسبة من تثبت مسؤوليته عن أي أنشطة تهدد الأمن والاستقرار.
كما أن تزامن ضبط العناصر مع قصف المطار يعزز أهمية متابعة التطورات الأمنية بصورة شاملة، دون افتراض وجود ارتباط عملياتي مباشر بين الحادثتين ما لم تثبت التحقيقات ذلك.
_الجمعية الوطنية تؤكد توحيد الصف وتعزيز التنسيق
في موازاة هذه التطورات، عقدت الهيئة الإدارية للجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي اجتماعها الدوري، صباح الأربعاء 28 أكتوبر 2026م، برئاسة الأستاذ نصر صالح هرهرة، عضو هيئة رئاسة المجلس ونائب رئيس الجمعية الوطنية، لمناقشة المستجدات السياسية والميدانية والأمنية وتداعياتها على الجنوب.
وأكدت الهيئة أهمية توحيد الصفوف وتعزيز التنسيق بين المسارات السياسية والأمنية والعسكرية والإعلامية والميدانية، بما يسهم في تكامل الأدوار وتحسين الاستجابة للتحديات الراهنة.
واستعرض الاجتماع المخاطر المرتبطة بالخلايا النائمة وتكديس الأسلحة في عدد من محافظات الجنوب العربي، مشيدًا بوعي المواطنين وتعاونهم مع الأجهزة الأمنية في الكشف عن الأنشطة المشبوهة، ومؤكدًا ضرورة استمرار التنسيق لحماية الأمن والسكينة العامة.
وتتقاطع هذه المواقف مع التطورات التي شهدتها عدن، حيث تتطلب حماية العاصمة الجمع بين الجاهزية الأمنية والعمل المؤسسي والتواصل المجتمعي، إلى جانب متابعة أي مؤشرات تهدد المنشآت الحيوية.
وناقشت الهيئة الجمعية الوطنية مستجدات المواجهات في جبهات القتال، بما فيها الساحل الغربي الممتد من المضاربة حتى باب المندب، وتداعيات النزوح من مناطق الصراع، داعية إلى تعزيز التضامن مع الأسر النازحة وتكثيف تدخلات المنظمات الإنسانية لتوفير احتياجاتها الأساسية.
واستعرضت الهيئة كذلك التحركات الدبلوماسية الخارجية للمجلس الانتقالي خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2026م، ونتائجها والتحديات التي واجهتها، مؤكدة أهمية تطوير الأداء الدبلوماسي لمواكبة استحقاقات المرحلة.
وتعكس هذه الملفات اتساع التحديات التي تواجه الجنوب، وضرورة التعامل معها من خلال مسارات متكاملة تشمل الأمن والسياسة والدبلوماسية والاستجابة الإنسانية. وتؤكد أهمية ترجمة دعوات توحيد الصف إلى تنسيق عملي بين المؤسسات، بما يدعم الاستقرار ويحافظ على مصالح المواطنين.
_استئناف نشاط المطار يؤكد أهمية استمرار الخدمات
في مواجهة تداعيات القصف، أعلن وزير النقل أن فرقًا فنية باشرت أعمال ترميم وصيانة المدرج المستهدف في مطار عدن الدولي بصورة عاجلة، رغم المخاطر التي أعقبت الاعتداء.
وأكد الوزير أن المطار والمرافق التابعة له ستواصل أداء مهامها وتقديم خدماتها للمواطنين، قبل ورود أنباء عن استئناف نشاط المطار عقب توقفه جراء القصف الحوثي.
وتكتسب هذه الخطوات أهمية من سرعة التعامل مع الأضرار والسعي إلى استعادة الخدمة، بما يقلل من تعطيل مصالح المواطنين ويحد من التداعيات الاقتصادية والإنسانية للاعتداءات.
لكن استئناف النشاط يظل مرتبطًا بالتأكد من سلامة المدرج والمرافق والالتزام بالإجراءات الفنية المعتمدة، بما يضمن سلامة المسافرين والعاملين وأطقم الطائرات.
ومن الناحية السياسية، يعكس استمرار العمل في المطار أهمية الحفاظ على المؤسسات الخدمية وعدم السماح للأضرار بأن تتحول إلى تعطيل طويل الأمد للحياة العامة. ويبرز ضرورة توفير الإمكانات اللازمة للصيانة، وتعزيز التنسيق بين الجهات الفنية والأمنية، ورفع مستوى الاستعداد للتعامل مع أي تطورات جديدة.
_حماية عدن مسؤولية تتطلب تنسيقًا شاملًا
تضع التطورات الأخيرة أمن عدن أمام استحقاقات واضحة، يتقدمها تعزيز حماية المنشآت الحيوية، واستكمال التحقيقات المتعلقة بالخلايا المضبوطة، وضمان سلامة الملاحة الجوية، ومواصلة التحرك السياسي والدبلوماسي لعرض آثار الاعتداءات على المدنيين والخدمات.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الدور الذي يضطلع به المجلس الانتقالي الجنوبي العربي في دعم الاستقرار وتعزيز التنسيق بين المسارات السياسية والأمنية والعسكرية، بما ينسجم مع دعوة الجمعية الوطنية إلى توحيد الصفوف ومواجهة التحديات برؤية مؤسسية مشتركة.
وأن حماية العاصمة عدن تتطلب شفافية في إعلان المعلومات، وتطبيق القانون، وتعاون المواطنين مع الأجهزة المختصة، إلى جانب استمرار المؤسسات الخدمية في أداء مهامها وفق متطلبات السلامة.
وتؤكد الاعتداءات على مطار عدن، بالتزامن مع إعلان ضبط خلايا مشتبه بارتباطها بالحوثيين، أن أمن العاصمة يرتبط بقدرة المؤسسات على الاستجابة للتهديدات المختلفة، وحماية مصالح السكان، ومنع تحول التصعيد إلى أزمة مستمرة تعطل حياتهم اليومية.
فالرهان الحقيقي يتمثل في حماية عدن والجنوب العربي، وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات، وضمان استمرار الخدمات وصون أمن المواطنين واستقرارهم.




