
المدارة- مقال: حسين الذييبي
في السياسة كما في الحروب، هناك مدن تتحول إلى مجرد عناوين جغرافية، وهناك مدن تتحول إلى لحظة تاريخية تغيّر موازين المنطقة. وعدن كانت من النوع الثاني.
قبل أحد عشر عاماً، حين اجتاحت المليشيات الحوثية المدعومة من طهران المدن اليمنية، كان المشهد الإقليمي يوحي بأن المشروع الإيراني يمد أذرعه بلا مقاومة. بغداد سقطت في قبضة النفوذ الإيراني، ودمشق تحولت إلى ساحة نفوذ، وبيروت رهينة السلاح، وصنعاء وقعت تحت هيمنة المليشيات. بدا وكأن المنطقة كلها تتهاوى قطعة بعد أخرى.
لكنهم لم يحسبوا حساب عدن.
في تلك المدينة الجنوبية، حيث تختلط رائحة البحر بتاريخ المقاومة، خرج رجال بصدور عارية وإرادة صلبة ليقولوا كلمة واحدة: الجنوب لن يسقط. لم تكن عدن مجرد جبهة قتال، بل كانت جدار الصد الأول أمام مشروع التمدد الإيراني في خاصرة الجزيرة العربية وخليج عدن.
معركة عدن لم تكن معركة جغرافيا… كانت معركة هوية.
في أزقة كريتر، وعلى تخوم المعلا، وفي شوارع خور مكسر، كُتب فصل جديد من تاريخ الجنوب بدماء الشهداء. شباب قواتنا الحكومية الجنوبية والمقاومة الجنوبية الذين لم يملك كثير منهم سوى الإيمان بقضيتهم، استطاعوا قلب موازين القوة في معركة ظنّها الجميع محسومة لصالح المليشيات الحوثية.
لكن المعركة لم تكن جنوبية خالصة فحسب، بل كانت أيضاً معركة عربية بامتياز.
لقد كان للأشقاء في دولة الإمارات العربية المتحدة دور مفصلي في تلك اللحظة التاريخية. لم يكتفِ الأشقاء الصادقون الإماراتيون بالدعم السياسي، بل كانوا حاضرين في الميدان. سقط شهداؤهم على أرض عدن، وامتزجت دماؤهم بدماء أبطال الجنوب في معركة التحرير.
قدمت الإمارات دعماً عسكرياً ولوجستياً حاسماً، وأسهمت في تدريب وتجهيز القوات الجنوبية بالعدة والعتاد، وساهمت في بناء النواة الصلبة للمؤسسات العسكرية والأمنية التي أصبحت اليوم الدرع الذي يحمي العاصمة عدن من الانزلاق إلى الفوضى.
ولولا تلك الشراكة الميدانية الصادقة، لكانت معركة عدن أطول وأكثر كلفة.
اليوم، وبعد أكثر من عقد على ذلك الانتصار، لا تزال العاصمة عدن تمثل الرقم الأصعب في معادلة الصراع. لم تعد مجرد مدينة محررة، بل تحولت إلى مركز ثقل سياسي وعسكري لمشروع استعادة الدولة الجنوبية.
وهنا يبرز الدور السياسي الذي لعبه المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزبيدي القائد الأعلى للقوات الحكومية الجنوبية الذي استطاع أن يحول حالة المقاومة إلى مشروع سياسي منظم، وأن يخلق حاضنة وطنية تحمي مكتسبات المعركة وتمنع ضياع تضحيات الشهداء في دهاليز الصفقات السياسية.
المشكلة ليست في من حرر عدن… فالتاريخ واضح.
المشكلة في أولئك الذين خذلوا المدينة في أيامها السوداء، ثم عادوا اليوم ليبحثوا عن موقع في جغرافيا النصر. هؤلاء ينسون حقيقة بسيطة:
النصر لا يصنعه المتفرجون… بل يصنعه الذين يدفعون الثمن.
عاصمتنا عدن لم تتحرر ببيانات السياسة، بل تحررت بدماء المقاتلين.
ولذلك فإن محاولة المساس بمكتسبات ذلك الانتصار ليست مجرد خلاف سياسي، بل هي استفزاز مباشر لذاكرة شعب قدّم آلاف الشهداء من أجل أن تبقى مدينته حرة.
بعد أحد عشر عاماً، الرسالة التي تقولها عدن ما تزال واضحة:
الجنوب ليس ساحة مفتوحة للمشاريع الإقليمية، ولا ورقة في يد القوى العابرة.
إنه وطن دفع ثمن حريته دماً.
وعدن… المدينة التي كسرت المشروع الإيراني مرة، قادرة على أن تكسره ألف مرة.
مارس 17, 2026
مارس 17, 2026
مارس 17, 2026
مارس 17, 2026
مارس 17, 2026
مارس 17, 2026
مارس 17, 2026
مارس 17, 2026
مارس 17, 2026
مارس 17, 2026
مارس 17, 2026
مارس 16, 2026
مارس 16, 2026