تقرير /الصوت الجنوبي
في خضم التحولات السياسية والعسكرية التي يشهدها الجنوب منذ مطلع العام الجاري، برزت العاصمة السعودية الرياض كمنصة لإطلاق ما سُمّي بـ”الحوار الجنوبي”، وسط حالة واسعة من الجدل والتشكيك في أهدافه الحقيقية، وطبيعة القوى التي تقف خلفه، ومدى قدرته على التعبير عن الإرادة الشعبية الجنوبية التي تجسدت خلال السنوات الماضية عبر المجلس الانتقالي الجنوبي العربي.
ورغم الترويج الرسمي للحوار باعتباره خطوة نحو “توحيد الصف الجنوبي”، إلا أن قطاعات واسعة من الشارع الجنوبي تنظر إليه باعتباره محاولة لإعادة هندسة المشهد السياسي في الجنوب وفق حسابات إقليمية، تستهدف بالدرجة الأولى احتواء المجلس الانتقالي الجنوبي وتفكيك حضوره الشعبي والسياسي، بعد أن أصبح الرقم الأصعب في المعادلة الجنوبية.
وتزامنت الدعوة للحوار مع سلسلة تطورات وصفت بأنها الأخطر منذ تأسيس المجلس الانتقالي، بدءاً بخروج القوات المسلحة الجنوبية من وادي حضرموت والمهرة تحت ضغط العمليات العسكرية، مروراً بإحلال تشكيلات جديدة مدعومة سعودياً، وصولاً إلى إعلان وفد المجلس الانتقالي في الرياض “حل المجلس” مطلع يناير الماضي، في ظروف وصفتها قيادات جنوبية بـ”الغامضة” والمصحوبة بضغوط واحتجازات غير معلنة.
ويرى مراقبون أن هذا التسلسل الزمني لا يمكن فصله عن المسار الذي تحاول الرياض فرضه في الجنوب، خصوصاً مع بروز شخصيات جنوبية محسوبة على أحزاب يمنية تقليدية في واجهة الدعوة للحوار، في وقت تم فيه تهميش القوى الجنوبية التي تمتلك حضوراً شعبياً حقيقياً على الأرض، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي.
حوار تحت الوصاية أم مسار للحل؟
ويقول الكاتب السياسي الجنوبي بسام الكلدي، في تصريح لـ”الصوت الجنوبي”، إن الحوار المطروح في الرياض “لا يبدو حتى الآن حواراً جنوبياً خالصاً بقدر ما يبدو محاولة لإعادة تشكيل الجنوب بما يتناسب مع حسابات إقليمية لا تعكس تطلعات شعب الجنوب”.
وأضاف الكلدي أن “القضية الجنوبية ليست ملفاً إدارياً يمكن إعادة ترتيبه عبر اجتماعات مغلقة أو قوائم مشاركة انتقائية، بل قضية شعب قدم تضحيات هائلة، ويمتلك اليوم حاملاً سياسياً واضحاً يتمثل بالمجلس الانتقالي الجنوبي العربي”.
وأشار إلى أن غياب المجلس الانتقالي أو محاولة تفتيت تمثيله داخل أي حوار “يفقد العملية السياسية مصداقيتها”، مؤكداً أن أي تسوية لا تنطلق من الاعتراف بثقل الانتقالي وحجم التفويض الشعبي الذي يحمله “لن تنتج استقراراً حقيقياً”.
وخلال الأسابيع الماضية، شهدت عدن والمكلا وسيئون وسقطرى ومدن جنوبية أخرى مليونيات حاشدة رفضاً لمحاولات حل المجلس الانتقالي، في مشهد عكس حجم الالتفاف الشعبي حول المشروع الوطني الجنوبي وقيادته السياسية ممثلة بالرئيس عيدروس الزُبيدي.
ويرى متابعون أن هذه الحشود الجماهيرية نسفت عملياً الرواية التي حاولت تصوير المجلس الانتقالي ككيان قابل للتجاوز أو الاستبدال، وأكدت أن أي حوار لا يعكس الإرادة الشعبية الجنوبية سيظل فاقداً للشرعية السياسية.
كما أثارت طريقة إدارة الدعوات للحوار انتقادات واسعة، خصوصاً مع غياب معايير واضحة لاختيار المشاركين، واعتماد مقاربات جغرافية وحزبية اعتبرها جنوبيون محاولة لتفتيت التمثيل الجنوبي وإضعاف الصوت السياسي الموحد للقضية الجنوبية.
ويؤكد الكلدي أن الحوار، بصيغته الحالية، يفتقر إلى الرؤية الواضحة والأهداف المحددة، حيث لم تُطرح حتى الآن ضمانات حقيقية لاحترام نتائج الحوار أو حماية حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم، في ظل مؤشرات متزايدة على محاولة إعادة دمج القضية الجنوبية ضمن إطار الأزمة اليمنية الشاملة.
استهداف الانتقالي وإعادة تدوير الأزمة
من جانبه، قال الصحفي الجنوبي عدنان الهمامي، في حديث لـ”الصوت الجنوبي”، إن “المشكلة الحقيقية لا تكمن في فكرة الحوار بحد ذاتها، بل في البيئة السياسية التي يُدار من خلالها هذا الحوار، والتي تبدو منحازة لمحاولة إعادة إنتاج قوى فقدت حضورها الشعبي على حساب المجلس الانتقالي”.
وأضاف الهمامي أن “ما جرى منذ يناير الماضي كشف بوضوح وجود مساعٍ لتقليص نفوذ الانتقالي وإبعاده عن مركز القرار الجنوبي، رغم أنه الطرف الوحيد الذي يمتلك قاعدة جماهيرية وتنظيماً سياسياً وعسكرياً على الأرض”.
وأشار إلى أن “إغلاق مقرات المجلس الانتقالي في عدن، واقتحام مقراته في سيئون، قبل أن يفرض شعب الجنوب إعادة افتتاحها، فضلا عن محاولات فرض واقع سياسي جديد بالقوة، كلها مؤشرات تؤكد أن الحوار يُستخدم كغطاء سياسي لإعادة ترتيب المشهد بما يخدم أجندات خارجية”.
ويعتقد الهمامي أن الرياض تحاول من خلال هذا المسار احتواء الجنوب ضمن معادلة ترتبط أساساً بإدارة الصراع مع الحوثيين، أكثر من ارتباطها بحل جذري للقضية الجنوبية.
كما أن تصريحات مندوب السعودية في مجلس الأمن، التي أشار فيها إلى أن مخرجات الحوار الجنوبي ستُدرج ضمن مسار الحل اليمني الشامل، عززت المخاوف الجنوبية من تحويل القضية الجنوبية إلى مجرد ورقة تفاوضية ضمن التسويات الإقليمية.
وفي المقابل، يتمسك المجلس الانتقالي بخيار الحوار الجنوبي، لكن ضمن أسس واضحة تقوم على احترام الإرادة الشعبية الجنوبية والاعتراف بالمجلس باعتباره الحامل السياسي الرئيس للقضية الجنوبية، لا مجرد طرف بين أطراف متفرقة جرى تجميعها وفق توازنات مؤقتة.
ويرى سياسيون جنوبيون أن أي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة ستقود إلى تعميق الأزمة لا حلها، خصوصاً في ظل تنامي الشعور الشعبي بأن هناك محاولات لإعادة الجنوب إلى دائرة الوصاية السياسية وإفراغ تضحيات الجنوبيين من مضمونها الوطني.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الحوار الجنوبي في الرياض يقف أمام اختبار بالغ الحساسية؛ فإما أن يتحول إلى مسار حقيقي يعترف بالإرادة الشعبية الجنوبية ويؤسس لحل عادل للقضية الجنوبية، أو يتحول إلى منصة لإعادة تدوير الأزمة وإنتاج واقع سياسي هش، لا يعكس حقيقة المزاج الشعبي في الجنوب.
وبينما تتواصل التحضيرات للحوار، يبقى السؤال الأكثر حضوراً في الشارع الجنوبي: هل تسعى الرياض فعلاً لدعم حل عادل للقضية الجنوبية، أم أنها تحاول فقط إدارة الجنوب بما يتوافق مع أولوياتها الأمنية والسياسية، حتى وإن جاء ذلك على حساب تطلعات شعب الجنوب وحقه في استعادة دولته؟
مايو 22, 2026
مايو 22, 2026
مايو 21, 2026
مايو 20, 2026
مايو 20, 2026
مايو 20, 2026
مايو 20, 2026
مايو 15, 2026
مايو 15, 2026
مايو 15, 2026
مايو 14, 2026
مايو 14, 2026
مايو 10, 2026