حين تخطئ الرياض قراءة الجنوب

المدارة
الخميس – 25 يونيو 2026
لم تكن كلمة مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، عبدالله السعدي، خلال الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن، مجرد إحاطة دبلوماسية عابرة بشأن تطورات الأزمة اليمنية. كانت، في جوهرها، إعلاناً سياسياً مكشوفاً عن مرحلة جديدة من الضغط المنظم على المجلس الانتقالي الجنوبي وقياداته، ومحاولة صريحة لإعادة تعريف معادلة التمثيل في جنوب اليمن عبر بوابة الاتهام والعقوبات والتضييق السياسي.
فقد حملت الكلمة قدراً غير مسبوق من الحدة، خصوصاً في الاتهامات الموجهة إلى رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، اللواء عيدروس الزبيدي، حين ذهب السعدي إلى ربطه بالفساد والتمرد والخيانة العظمى. لم يكن ذلك تفصيلاً خطابياً ولا زلة دبلوماسية، بل بدا جزءاً من توجه أوسع لإنتاج سردية سياسية جديدة تستهدف إضعاف الزبيدي، وتحجيم المجلس الانتقالي، وفتح الطريق أمام ترتيبات بديلة تحاول فرض تمثيل جنوبي مفصل على مقاس مراكز نفوذ إقليمية ومحلية.
تشير المعطيات السياسية المحيطة بهذا التصعيد إلى أن بعض الأطراف داخل مجلس القيادة الرئاسي، وبدعم سعودي واضح، تراهن على تقليص هامش حركة الزبيدي، وإرباك حضوره السياسي والشعبي، من خلال الدفع باتجاه إدراجه ضمن قوائم العقوبات الأممية، وفرض قيود قانونية وسياسية على تحركاته الدولية، ومحاولة التأثير على موقع المجلس الانتقالي الجنوبي في أي مسار تفاوضي قادم يتعلق بمستقبل اليمن. غير أن هذا التصعيد، بحسب مصادر مطلعة تحدثت لمركز سوث24، لم يلقَ اهتماماً دولياً يُذكر بقدر ما بدا محاولة محلية وإقليمية لإشغال الجنوبيين عن الملفات التي تفشل فيها سلطات الأمر الواقع الجديدة، وفي مقدمتها الانهيار الخدمي والمعيشي، وغياب أي رؤية سياسية جادة للتعامل مع قضية الجنوب.
تبدو الرياض اليوم في سباق مع الزمن لإعادة تشكيل خارطة التمثيل السياسي في الجنوب، بما يحد من نفوذ الزبيدي والمجلس الانتقالي. غير أن هذا المسار يصطدم بواقع ميداني لا يمكن شطبه ببيانات رسمية أو إحاطات أممية. فالحضور المستمر لصور الزبيدي في الفعاليات والتظاهرات بعدن وحضرموت وغيرها من محافظات الجنوب، يؤكد أن الرجل لا يزال يمتلك رصيداً سياسياً ورمزياً لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين. وهذا يجعل تجاوزه، أو استبداله بواجهات سياسية مصطنعة، مهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة في ظل ميزان الشارع الحالي.
وفي المقابل، تبدو محاولات إعادة صياغة التمثيل السياسي الجنوبي عبر الدفع بمكونات وتحالفات بديلة محاولة مكشوفة للهروب من اختبار الشرعية الشعبية. فالتمثيل السياسي لا يُصنع في الغرف المغلقة، ولا يُمنح بقرار خارجي، ولا يكتسب شرعيته من رضا العواصم. إنه يتشكل من قدرة الفاعلين على التعبير عن تطلعات الناس، وحمل قضيتهم، والصمود في لحظات الضغط. ومن دون قبول اجتماعي وسياسي واسع داخل الجنوب، ستبقى أي كيانات بديلة مجرد أدوات وظيفية عابرة، عاجزة عن ملء الفراغ أو كسر المعادلة الشعبية القائمة.
على النقيض مما تراهن عليه الرياض وبعض شركائها، قد تؤدي الضغوط المتواصلة الهادفة إلى تحجيم دور الزبيدي إلى تعزيز حضوره الرمزي والسياسي بدلاً من إضعافه. فالتجارب السياسية في اليمن تؤكد أن إقصاء القيادات من المشهد الرسمي لا يعني إنهاء تأثيرها، بل قد يحولها إلى رموز تتجاوز مواقعها التنظيمية. وقد سبق أن حوّل المسار الذي سلكه الرئيس علي سالم البيض بعد عام 1994 مكانته من رجل سلطة إلى رمز سياسي مرتبط بقضية الجنوب لدى شريحة واسعة من الجنوبيين حتى وفاته. واليوم، تبدو الحشود التي تملأ الساحات في الجنوب غير مستعدة، في الوقت الراهن على الأقل، لمقايضة تمثيل قضيتها بكيانات مصطنعة أو بدائل لا تملك تفويضاً شعبياً حقيقياً.
يتجلى المأزق الأكبر في غياب أي أفق حقيقي للحوار الجنوبي ـ الجنوبي الذي طالما سوّقته الرياض والنخب الجنوبية التي اصطفت معها كرهاً أو رضاً، إضافة إلى عدم تبلور مشروع سياسي جنوبي واضح المعالم والأهداف حتى الآن. ويتزامن ذلك مع سلسلة أحداث يومية سلبية تهدد المكتسبات الجنوبية، وتعزز قناعة الشارع بأن الرياض لا تمتلك مساراً جاداً ومنصفاً للتعامل مع قضية الجنوب، بقدر ما تدير الوقت وتعيد تدوير أدوات الأزمة.
إن جمود ملف الحوار لا يبقى حبيس الصالونات السياسية، بل يفرز ارتدادات مباشرة على الأرض. فكلما تباطأ المسار السياسي، واتسعت الفجوة بين الوعود والواقع، تعاظم زخم الشارع وتوسعت رقعة الاحتجاج. صحيح أن جانباً من دوافع النزول إلى الشارع يرتبط بالتدهور المعيشي والخدمي، وما يخلفه من معاناة قاسية في حياة المواطنين، لكن اختزال الحراك الجماهيري الراهن بالجنوب في أزمة كهرباء أو رواتب أو خدمات يمثل قراءة سطحية ومضللة. فالبعد السياسي يظل المحرك الأعمق للمشهد الراهن، وهو ما تؤكده طبيعة الشعارات المرفوعة والرموز الحاضرة في المظاهرات، حيث تتصدر أعلام الجنوب وصور القيادات الجنوبية المشهد أكثر من اللافتات المرتبطة بالمطالب الاقتصادية وحدها.
خطورة الانزلاق نحو المشهد الأمني
رغم وجود مخاوف أمنية لدى جزء من الشارع الجنوبي بشأن المشاركة في الاحتجاجات، خصوصاً بعد أحداث عنف واستخدام للقوة ضد بعض المظاهرات السلمية في عدن وحضرموت وغيرها، فإن استمرار القمع الأمني قد يؤدي تدريجياً إلى كسر حاجز الخوف لا إلى تثبيته. وكلما ارتفعت كلفة الصمت، اتسعت احتمالات الانفجار الشعبي. وهنا لن يقتصر التحدي أمام مجلس القيادة الرئاسي والرياض على إدارة التمثيل السياسي، بل قد يتحول إلى تحدٍ أمني وعسكري بالغ التعقيد.
إن التعامل مع المطالب السياسية عبر الأدوات الأمنية وحدها وصفة مؤكدة لإنتاج نتائج عكسية. فالقمع لا يلغي القضية، بل يمنحها زخماً أخلاقياً وسياسياً. واستخدام القوة في مواجهة حراك شعبي واسع لا يطفئ الاحتقان، بل يدفعه إلى مستويات أكثر حدة، ويفتح الباب أمام مسارات يصعب التحكم بها لاحقاً.
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان الإرهاصات الأولى للحراك الجنوبي السلمي، حين عجز نظام علي عبدالله صالح عن مجاراة الحراك إعلامياً وسياسياً، فلجأ إلى الخيار الأمني في محطات عديدة. لكن ذلك الخيار لم يكسر الحراك، بل منحه شرعية أكبر، ووسّع قاعدته، وحوّله إلى قضية شعبية أكثر رسوخاً. وبناءً على هذه التجربة، فإن انزلاق القوى المحلية المدعومة من الرياض، سواء بتوجيه مباشر منها أو من دون ذلك، نحو المسار ذاته، لن يؤدي إلا إلى تقوية الحاضنة الشعبية الجنوبية وتوسيع نطاقها.
لا تزال الرياض بعيدة عن صياغة تقديرات دقيقة تستوعب طبيعة الشارع الجنوبي وديناميكياته. فإعادة إنتاج السياسات الإقصائية أو القمعية السابقة لن تؤدي إلا إلى تجذير المقاومة الشعبية، تماماً كما حدث سابقاً حين توسع الحراك الجنوبي واكتسب قوته الذاتية دون إمكانات كبيرة أو دعم خارجي. لكن الفارق الخطير هذه المرة أن السلطات الشمالية أو “الحكومة اليمنية” لن تكون وحدها في واجهة الغضب؛ فالسعودية نفسها تخاطر بتعميق عزلتها في وجدان الجنوبيين، وتوسيع دائرة السخط الشعبي ضد سياساتها.
من هنا، يتوجب على الرياض مراجعة سياساتها بحذر بالغ، وألا ترتهن للصورة التي يرسمها مستشارون يجهلون طبيعة الجنوب، ويعيدون إنتاج الوصفات ذاتها التي أودت بسياسات صالح بعد حرب 1994. ثمة غياب واضح للفهم الحقيقي لجذور قضية الجنوب، ولحجم الصمود والتطلعات التي يحملها الشارع الجنوبي. فالمسألة ليست أزمة خدمات عابرة، ولا غضباً موسمياً بسبب الكهرباء والمياه والرواتب، بل قضية سياسية متجذرة، لها تاريخها وذاكرتها وتضحياتها ومظالمها.
إذا لم تقرأ السعودية تدرجات قضية الجنوب ومحطاتها التاريخية بعناية، فإنها تخاطر بالسير على خطى النظام اليمني السابق، وضمن المنطق ذاته الذي اعتقد أن القوة قادرة على محو الذاكرة السياسية للشعوب. وهذا المسار، المدفوع بتضليل نخب لا تزال أسيرة عقلية ما بعد حرب 1994، لن يخدم مصلحة المملكة، بل سينعكس سلباً على صورتها وعلى مستقبل علاقتها بدولة جارة وشعب تجمعها به روابط الجغرافيا والحدود والمصالح المشتركة.
الاختبار الحقيقي للرياض في الجنوب
يقف الموقف السعودي في الجنوب أمام اختبار حاسم. فإذا نجحت الرياض وسلطات الأمر الواقع المدعومة منها في احتواء الشارع الجنوبي، واستيعاب احتجاجاته، وتبني مقاربات سياسية وأمنية واقتصادية مرنة، فقد يكون بالإمكان تخفيف حالة السخط وفتح مسار أكثر واقعية للتعامل مع قضية الجنوب. غير أن هذا السيناريو يظل مشروطاً بأن تفضي أي مخرجات للحوار إلى صيغة سياسية واضحة تدعم تطلعات الجنوبيين، وفي مقدمتها حقهم في تقرير مستقبلهم السياسي، لا أن تعيد إنتاج صيغ غامضة تعيد تدوير الأزمة تحت عناوين جديدة.
أما السيناريو الآخر، فهو الذهاب نحو موجة تصعيد شعبي غير مسبوقة، تتجاوز مستويات السيطرة الحالية، وتكون أكثر حدة من مراحل سابقة، خصوصاً إذا جاءت نتائج أي حوار مناقضة لتطلعات الشارع. عندها لن يؤدي الضغط على المجلس الانتقالي أو الزبيدي إلى إضعافهما، بل إلى مضاعفة الالتفاف الشعبي حولهما باعتبارهما هدفاً لمحاولة إقصاء أوسع تطال قضية الجنوب نفسها.
علاوة على ذلك، فإن أي محاولة للتصعيد ضد الشارع الجنوبي، أو تمرير مخرجات سياسية تتصادم مع تطلعاته، قد تدفع نحو انفجار أمني وعسكري واسع، وهي بيئة مثالية لتحفيز جماعة الحوثي على التدخل واستغلال الفوضى المحتملة. وما التصعيد العسكري الأخير في جبهة الضالع إلا بمثابة بالون اختبار حوثي لقياس جاهزية القوات الجنوبية واستعدادها لخوض مواجهات جديدة، لا سيما بعد إعلان الجماعة الحوثية التعبئة العامة والجهوزية الكاملة لمواجهة داخلية على مختلف الجبهات.
في المحصلة، تثبت معطيات الأرض أن الشارع الجنوبي لا يتحرك بدافع الأزمات المعيشية والخدمية فقط، بل تحركه عقيدة سياسية راسخة ترفض التجيير والإملاءات الخارجية. والمحاولات الجارية لتحجيم القيادة الجنوبية عبر أروقة مجلس الأمن أو عبر الأدوات الأمنية المحلية تصطدم بواقع ميداني معقد، وذاكرة جمعية حية لا تزال ترفض إرث “منطق صالح” وسياساته.
لذلك، فإن النتيجة الحتمية لهذه المغامرة السياسية ستكون واحدة من خيارين: إما الاستجابة لتطلعات الشارع الجنوبي عبر تسوية عادلة وواضحة تعترف بجذور القضية، وإما الانزلاق نحو فوضى عارمة لن يستفيد منها سوى الحوثيين المتربصين على بوابات الجنوب عسكرياً وسياسياً.
على الرياض أن تدرك، قبل فوات الأوان، أن محاولة كسر إرادة الشارع الجنوبي لن تصنع استقراراً، بل ستجعل من حلفائها عبئاً، ومن حدودها الجنوبية ساحة لاستنزاف طويل. فالخروج من هذا المأزق لا يبدأ من ملاحقة رموز الجنوب، ولا من تمييع قضيته، ولا من صناعة بدائل هشة في غرف مغلقة؛ بل يبدأ من الاعتراف بأن الجنوب ليس ملفاً أمنياً قابلاً للإدارة بالضغط، بل قضية سياسية لا يمكن تجاوزها إلا بحل عادل يحترم إرادة شعبها وحقه في تقرير مستقبله.


