الرئيس الزُبيدي.. قائدٌ لم ينكسر وعهدٌ لا يتبدل مع الجنوب

المدارة
الجمعة – 06 نوفمبر 2026 / تقرير مريم بارحمة
ارتبطت مسيرة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي بمحطات طويلة من النضال والتحديات السياسية والعسكرية التي شهدها الجنوب، بدءًا من حرب عام 1994م، مرورًا بالحراك الجنوبي ومقاومة الحوثيين، وصولًا إلى تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي في 11 مايو 2017م. وشكّلت هذه المحطات ملامح حضوره في المشهد الجنوبي بوصفه أحد أبرز القيادات التي تبنّت مشروع استعادة دولة الجنوب وتقرير مصير شعبه.
_جذور النضال.. حين تحولت القناعة إلى مسار
وُلد الزُبيدي في 23 يوليو 1967م، بقرية زُبيد في محافظة الضالع، وتلقى تعليمه في الضالع، ثم انتقل إلى عدن للدراسة في كلية القوى الجوية والدفاع الجوي، وتخرج برتبة ملازم ثانٍ عام 1988م. وشكّلت حرب 1994م، محطة مفصلية في مسيرته، إذ غادر الجنوب عقب الحرب، قبل أن يعود عام 1996م ويؤسس حركة تقرير المصير حتم، التي تبنّت المطالبة باستعادة دولة الجنوب.
ومع تصاعد الحراك الجنوبي، استمر حضوره في مسارات العمل السياسي والمقاومة، وظلت قضية الجنوب محورًا أساسيًا في خطابه وتحركاته.
_مقاومة الحوثيين.. محطة بارزة في مسيرته
مع اجتياح الحوثيين للجنوب عام 2015م، برز القائد الزُبيدي في قيادة المقاومة الجنوبية بمحافظات الضالع ولحج والعاصمة عدن، وأسهمت القوات الجنوبية في التصدي للتقدم العسكري الحوثي، وصولًا إلى تحرير مناطق واسعة، وكانت الضالع من أوائل المحافظات التي أُعلن تحريرها في مايو 2015م.
وشكّلت تلك المرحلة اختبارًا بالغ الصعوبة للقيادات والمقاتلين الجنوبيين، في ظل شح الإمكانات وقسوة المواجهات واتساع رقعة الحرب. وقد ارتبطت تلك المعارك بتضحيات كبيرة قدمها أبناء الجنوب دفاعًا عن أرضهم ومدنهم، وعن حقهم في الأمن والحياة.
ولم تتوقف المواجهة عند التصدي للحوثيين، بل امتدت إلى مكافحة التنظيمات الإرهابية التي هددت العاصمة عدن ومحافظات الجنوب، لتصبح قضية الأمن والاستقرار إحدى أبرز الملفات التي ارتبطت بالمرحلة العسكرية والسياسية التالية.
_إعلان عدن.. تأسيس إطار سياسي جامع
مثّل الرابع من مايو 2017م محطة تاريخية في مسيرة الرئيس الزُبيدي، حين احتشدت الجماهير الجنوبية في العاصمة عدن، وأعلنت تفويضها له بتشكيل كيان سياسي يحمل تطلعات شعب الجنوب ويمثله في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.
وفي 11 مايو من العام نفسه، أعلن تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي برئاسته، في خطوة نقلت الحضور الجنوبي من مرحلة الحراك الشعبي المتعدد المكونات إلى مرحلة العمل السياسي المؤسسي المنظم.
ومنذ تأسيس المجلس، وضع الزُبيدي استعادة دولة الجنوب في صدارة أهدافه السياسية، وعمل على بناء علاقات خارجية وإيصال صوت الجنوب إلى المحافل الإقليمية والدولية، والدفاع عن حق شعبه في تقرير مصيره.
لقد كان تأسيس المجلس نقطة تحول في المشهد السياسي الجنوبي، وأوجد إطارًا سياسيًا حمل مسؤولية تمثيل تطلعات قطاع واسع من أبناء الجنوب، رغم ما واجهه من تحديات واختلافات وضغوط سياسية.
_وفاء للقضية.. وثبات أمام التحديات
تُقاس مسيرة القادة بالمواقف التي يتخذونها في اللحظات الصعبة، وبقدرتهم على التمسك بمبادئهم وسط التحولات السياسية والعسكرية.
وفي مسيرة الرئيس الزُبيدي، برزت قضية الجنوب بوصفها العنوان الأبرز لمشروعه السياسي، وظل يؤكد في خطاباته ومواقفه أن حق شعب الجنوب في استعادة دولته وتقرير مستقبله يمثل جوهر المشروع الذي يتبناه المجلس الانتقالي الجنوبي العربي.
وتعرضت قيادته خلال السنوات الماضية لتحديات سياسية وأمنية معقدة، وتباينات في المواقف مع أطراف محلية وإقليمية، فضلًا عن محاولات إضعاف المشروع السياسي الجنوبي. ومع ذلك، استمر المجلس في ممارسة نشاطه السياسي والتنظيمي، وواصل الرئيس الزُبيدي إصدار القرارات المتعلقة بهياكله وقياداته.
وتبرز القرارات الصادرة في الخامس من نوفمبر 2026م، ومنها تعيين مدير لمكتبه بصفته رئيسًا للمجلس، ومدير لمكتب القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، باعتبارها من التطورات الحديثة في مسار عمله القيادي.
_القوات المسلحة الجنوبية.. مسؤولية حماية الأرض والمكتسبات
يمثل الملف العسكري والأمني أحد أبرز الملفات المرتبطة بمسيرة الرئيس الزُبيدي، فقد ارتبطت المراحل التي شهدها الجنوب منذ عام 2015 بتشكيل وتطوير قوات جنوبية شاركت في مواجهة الحوثيين ومكافحة التنظيمات الإرهابية وتأمين عدد من المناطق والمنشآت الحيوية.
ومن موقعه بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، يضع الرئيس الزُبيدي ملف بناء القدرات العسكرية وتعزيز الجاهزية والتنسيق بين التشكيلات الجنوبية ضمن أولويات القيادة.
وتحمل هذه المسؤولية أبعادًا تتجاوز المواجهة العسكرية، لتشمل حماية المدنيين وصون الأمن والاستقرار والحفاظ على المكتسبات التي تحققت بتضحيات المقاتلين وأبناء الجنوب.
فوراء كل انتصار عسكري حكايات من الصبر والفقد والتضحية، وأسر قدمت أبناءها في ميادين المواجهة، وجرحى يحملون آثار المعارك، وشهداء تركوا أسماءهم في ذاكرة الجنوب. وتظل رعاية أسر الشهداء والجرحى والاهتمام بأوضاع القوات الجنوبية من أهم الالتزامات الوطنية والأخلاقية التي ينبغي أن تتصدر مسؤوليات القيادة.
_الجنوب وشعبه.. عنوان الوفاء والمسؤولية
لا تنفصل قوة أي مشروع سياسي عن الحاضنة الشعبية التي يستند إليها، فالجماهير التي خرجت في الميادين والساحات، وشاركت في الفعاليات والمليونيات، ظلت أحد أبرز مظاهر الحضور السياسي لقضية الجنوب.
وقد شهدت العاصمة عدن ومحافظات الجنوب فعاليات جماهيرية واسعة في مناسبات وطنية متعددة، عبّرت خلالها الحشود عن تمسكها بتطلعاتها السياسية، ورفضها التراجع عن حقها في تقرير المصير.
وفي الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 2026م، تجدد الحضور الشعبي الجنوبي في مختلف محافظات الجنوب، من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، في مشهد استحضر تاريخ النضال الوطني الجنوبي، وربط تضحيات الأجيال السابقة بتطلعات الأجيال الحاضرة.
وتعكس هذه الفعاليات أهمية العلاقة بين القيادة والحاضنة الشعبية، وتضع أمام القيادة مسؤولية الاستماع إلى مطالب المواطنين، وتعزيز التلاحم الوطني، وتقديم نموذج في إدارة الاختلافات وحماية المصالح العامة. المجلس الانتقالي الجنوبي العربي
_مشروع وطني أمام استحقاقات المستقبل
يدخل المشروع السياسي الجنوبي مرحلة تتطلب المزيد من العمل المؤسسي، وتوحيد الصفوف، وتعزيز التوافق بين مختلف المكونات والقوى والشخصيات الجنوبية، بما يحفظ خصوصية الجنوب وتنوعه الجغرافي والاجتماعي والسياسي.
وتبرز أمام الرئيس الزُبيدي مسؤولية تحويل التضحيات والمكتسبات إلى إنجازات سياسية واقتصادية وخدمية ملموسة، تعزز ثقة المواطنين بقيادتهم ومؤسساتهم، وتخفف معاناتهم المعيشية، وتفتح آفاقًا أوسع أمام الشباب والمرأة والكفاءات الجنوبية للمشاركة في صناعة المستقبل.
وتتطلب المرحلة توسيع الحضور الدبلوماسي والإعلامي، وتقديم خطاب سياسي واضح يستند إلى الحقائق والوثائق، ويخاطب المجتمع الدولي بلغة المصالح المشتركة والحقوق المشروعة، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع المحيط الإقليمي والدولي.
فالقضية التي قدم شعب الجنوب من أجلها التضحيات تستحق مشروعًا سياسيًا قادرًا على استيعاب الجميع، وحماية التعدد، وتحويل الإرادة الشعبية إلى مسار سياسي مستدام.
_مسيرة تُكتب بتضحيات شعب
إن قراءة مسيرة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي تكشف عن محطات متعاقبة من النضال العسكري والسياسي، بدأت من الضالع، وامتدت إلى العاصمة عدن ومختلف محافظات الجنوب، وصولًا إلى قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي والقوات المسلحة الجنوبية.
وتبقى قيمة هذه المسيرة مرتبطة بما تحققه من نتائج على أرض الواقع، وبمدى قدرتها على الوفاء لتضحيات الشهداء والجرحى، وصون حقوق المواطنين، وتعزيز وحدة الصف الجنوبي، وتحقيق تطلعات شعب الجنوب في الأمن والاستقرار واستعادة دولته.
فالتاريخ لا تصنعه القيادات وحدها، بل تصنعه الشعوب بتضحياتها وصمودها وإرادتها، والوفاء الحقيقي لهذه التضحيات يكون بحماية الإنسان والأرض، والتمسك بالحقوق، وتحمل المسؤولية تجاه المستقبل.
عيدروس الزُبيدي أمام استحقاق تاريخي، عنوانه الوفاء لتضحيات شعب الجنوب، وصون إرادته، والمضي بمشروعه الوطني نحو مستقبل يحقق تطلعات أجياله.


